تحت تأثير هواه ، وذلك عندما يتخذ شريعة لحياته مستمدة من هذا الهوى لا من شريعة الله ، وعندما لا يستسلم لله استسلام هذا الوجود الكوني الخاضع لمولاه !
ومثل هذا الشقاق يقع بين الأفراد والجماعات والأمم والأجيال ، كما يقع بين البشر والكون من حولهم ، فتنقلب قواه وذخائره وسائل تدمير وأسباب شقاء ، بدلًا من أن تكون وسائل عمران وأسباب سعادة لبني الإنسان .
وإذن فإن الهدف الظاهر من قيام شريعة الله في الأرض ليس مجرد العمل للآخرة . فالدنيا والآخرة معًا مرحلتان متكاملتان ، وشريعة الله هي التي تنسق بين المرحلتين في حياة هذا الإنسان . تنسق الحياة كلها مع الناموس الإلهي العام .
والتناسق مع الناموس لا يؤجْل سعادة الناس إلى الآخرة ، بل يجعلها واقعة ومتحققة في المرحلة الأولى كذلك ، ثم تتم تمامها وتبلغ كمالها في الدار الآخرة .
هذا هو أساس التصور الإسلامي للوجود كله ، وللوجود الإنساني في ظل ذلك الوجود العام ، وهو تصور يختلف في طبيعته اختلافًا جوهريًا عن كل تصور آخر عرفته البشرية ، ومن ثم تقوم عليه التزامات لا تقوم على أي تصور آخر في جميع الأنظمة والنظريات ..
إن الالتزام بشريعة الله - في هذا التصور - هو مقتضى الارتباط التام بين حياة البشر وحياة الكون ، وبين الناموس الذي يحكم فطرة البشر ويحكم هذا الكون ، ثم ضرورة المطابقة بين هذا الناموس العام والشريعة التي تنظم حياة بني الإنسان ، وتتحقق بالتزامها عبودية البشر لله وحده ، كما أن عبودية هذا الكون لله وحده لا يدّعيها لنفسه إنسان .
وإلى ضرورة هذا التطابق والتناسق يشير الحوار الذي جرى بين إبراهيم - عليه السلام - أبي هذه الأمة المسلمة - وبين"نمرود"المتجبر المدعي بحق السلطان على العباد في الأرض ، والذي لم يستطع - مع ذلك - أن يدعي بحق السلطان على الأفلاك والأجرام في الكون ، وبهت أمام إبراهيم عليه السلام ، وهو يقول له: إن الذي يملك السلطان في الكون هو وحده الذي ينبغي أن يكون له السلطان في حياة البشر ، ولم يحر جوابًا على هذا البرهان: