الصفحة 24 من 175

طبيعة المنهج القرآني[1]

ظل القران المكِّي ينزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة عشر عامًا كاملة ، يحدِّثه فيها عن قضية واحدة . قضية واحدة لا تتغير ، ولكن طريقة عرضها لا تكاد تتكرر . ذلك الأسلوب القرآني يدعها في كل عرض جديدة ، حتى لكأنما يطرقها للمرة الأولى .

لقد كان يعالج القضية الأولى ، والقضية الكبرى ، والقضية الأساسية ، في هذا الدين الجديد .. قضية العقيدة .. ممثلة في قاعدتها الرئيسية .. الألوهية والعبودية ، وما بينهما من علاقة .

لقد كان يخاطب بهذه الحقيقة"الإنسان".. الإنسان بما أنه إنسان .. وفي هذا المجال يستوي الإنسان العربي في ذلك الزمان والإنسان العربي في كل زمان ، كما يستوي الإنسان العربي وكل إنسان ، في ذلك الزمان وفي كل زمان !

إنها قضية"الإنسان"التي لا تتغير ، لأنها قضية وجوده في هذا الكون وقضية مصيره . قضية علاقته بهذا الكون وبهؤلاء الأحياء ، وقضية علاقته بخالق هذا الكون وخالق هذه الأحياء . وهي قضية لا تتغير ، لأنها قضية الوجود والإنسان .

لقد كان هذا القرآن المكي يفسر للإنسان سر وجوده ووجود هذا الكون من حوله .. كان يقول له: من هو ؟ ومن أين جاء ؟ ولماذا جاء ؟ والى أين يذهب في نهاية المطاف ؟ من ذا الذي جاء به من العدم والمجهول ؟ ومن ذا الذي يذهب به ، وما مصيره هناك ؟ وكان يقول له: ما هذا الوجود الذي يحسه ويراه ، والذي يحس أن وراءه غيبًا يستشرفه ولا يراه ؟ من أنشأ هذا الوجود المليء بالأسرار ؟ من ذا يدبره ؟ ومن ذا يحوره ؟ ومن ذا يجدد فيه ويغير على النحو الذي يراه ؟ .. وكان يقول له كذلك: كيف يتعامل مع خالق هذا الكون ، ومع الكون أيضًا ، كما يبين له: كيف يتعامل العباد مع العباد ؟

(1) - مستخرج من كتاب:"في ظلال القرآن"من التعريف بسورة الأنعام في الجزء السابع من الطبعة المشروعة التي تصدر عن دار الشروق مع إضافات قليلة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت