هناك حقيقة أولية ، ينبغي أن تكون واضحة في نفوسنا تمامًا ونحن نقدم الإسلام للناس: الذين يؤمنون به والذين لا يؤمنون به على السواء .. هذه الحقيقة تنبثق من طبيعة الإٍسلام ذاته ، وتنبع من تاريخه
إن الإسلام تصور مستقل للوجود والحياة ، تصور كامل ذو خصائص متميزة ، ومن ثَمَّ ينبثق منه منهج ذاتي مستقل للحياة كلها ، بكل مقوماتها وارتباطاتها ، ويقوم عليه نظام ذو خصائص معينة .
هذا التصور يخالف مخالفة أساسية سائر التصورات الجاهلية قديمًا وحديثًا . وقد يلتقي مع هذه التصورات في جزئيات عرضية جانبية ، ولكن الأصول التي تنبثق منها هذه الجزئيات مختلفة عن سائر ما عرفته البشرية من نظائرها .
ووظيفة الإسلام الأولى هي أن ينشئ حياة إنسانية توافق هذا التصور ، وتمثله في صورة واقعية ، وأن يقيم في الأرض نظامًا يتبع المنهج الرباني الذي اختاره الله ، وهو يخرج هذه الأمة المسلمة لتمثله وتقوم عليه ، وهو - سبحانه - يقول: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } ... [ آل عمران: 110 ]
ويقول في صفة هذه الأمة: { الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ } ... [ الحج: 41 ]
وليست وظيفة الإسلام إذن أن يصطلح مع التصورات الجاهلية السائدة في الأرض ، ولا الأوضاع الجاهلية القائمة في كل مكان .. لم تكن هذه وظيفته يوم جاء ، ولن تكون هذه وظيفته اليوم ولا في المستقبل .. فالجاهلية هي الجاهلية ، الجاهلية هي الانحراف عن العبودية لله وحده وعن المنهج الإلهي في الحياة ، واستنباط النظم والشرائع والقوانين والعادات والتقاليد والقيم والموازين من مصدر آخر غير المصدر الإلهي .. الإسلام وهو الإسلام ، ووظيفته هي نقل الناس من الجاهلية إلى الإسلام !