الصفحة 25 من 175

وكانت هذه هي القضية الكبرى التي يقوم عليها وجود"الإنسان". وستظل هي القضية الكبرى التي يقوم عليها وجوده على توالي الأزمان .

وهكذا انقضت ثلاثة عشر عامًا كاملة في تقرير هذه القضية الكبرى ، القضية التي ليس وراءها شيء في حياة الإنسان إلا ما يقوم عليها من المقتضيات والتفريعات .

ولم يتجاوز القرآن المكي هذه القضية الأساسية إلى شيء مما يقوم عليها من التفريعات المتعلقة بنظام الحياة ، إلا بعد أن علم الله أنها قد استوفت ما تستحقه من البيان ، وأنها استقرت استقرارًا مكينًا ثابتًا في قلوب العصبة المختارة من بني الإنسان ، التي قدَّر الله أن يقوم هذا الدين عليها ، وأن تتولى هي إنشاء النظام الواقعي الذي يتمثل فيه هذا الدين .

وأصحاب الدعوة إلى دين الله ، وإلى إقامة النظام الذي يتمثل فيه هذا الدين في واقع الحياة ، خليقون أن يقفوا طويلًا أمام هذه الظاهرة الكبيرة ، ظاهرة تصدي القرآن المكي خلال ثلاثة عشر عامًا لتقرير هذه العقيدة ، ثم وقوفه عندها لا يتجاوزها إلى شيء من تفصيلات النظام الذي يقوم عليها ، والتشريعات التي تحكم المجتمع المسلم الذي يعتنقها .

لقد شاءت حكمة الله أن تكون قضية العقيدة هي القضية التي تتصدى لها الدعوة منذ اليوم الأول للرسالة ، وأن يبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى خطواته في الدعوة بدعوة الناس أن يشهدوا: أن لا اله إلا الله ، وأن يمضي في دعوته يعرِّف الناس بربهم الحق ، ويُعَبِّدَهم له دون سواه .

ولم تكن هذه - في ظاهر الأمر وفي نظرة العقل البشري المحجوب - هي أيسر السبل إلى قلوب العرب ! فلقد كانوا يعرفون من لغتهم معنى"إله"ومعنى:"لا إله إلا الله". كانوا يعرفون أن الألوهية تعني الحاكمية العليا .. وكانوا يعرفون أن توحيد الألوهية وإفراد الله - سبحانه - بها ، معناه نزع السلطان الذي يزاوله الكهان ومشيخة القبائل والأمراء والحكام ، وردّه كله إلى الله .. السلطان على الضمائر ، والسلطان على الشعائر ، والسلطان على واقعيات الحياة ، والسلطان في المال ، والسلطان في القضاء ، والسلطان في الأرواح والأبدان .. كانوا يعلمون أن"لا إله إلا الله"ثورة على السلطان الأرضي الذي يغتصب أولى خصائص الألوهية ، وثورة على الأوضاع التي تقوم على قاعدة من هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت