الصفحة 26 من 175

الاغتصاب ، وخروج على السلطات التي تحكم بشريعة من عندها لم يأذن بها الله .. ولم يكن يغيب عن العرب - وهم يعرفون لغتهم جيدًا ويعرفون المدلول الحقيقي لدعوة -"لا اله إلا الله"- ماذا تعني هذه الدعوة بالنسبة لأوضاعهم ورياساتهم وسلطانهم ، ومن ثم استقبلوا هذه الدعوة - أو هذه الثورة - ذلك الاستقبال العنيف ، وحاربوها هذه الحرب التي يعرفها الخاص والعام ..فَلِمَ كانت هذه نقطة البدء في هذه الدعوة ؟ وَلِمَ اقتضت حكمة الله أن تبدأ بكل هذا العناء ؟

لقد بُعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا الدين ، وأخصب بلاد العرب وأغناها ليست في أيدي العرب ، إنما هي في أيدي غيرهم من الأجناس !

بلاد الشام كلها في الشمال خاضعة للروم ، يحكمها أمراء عرب من قِبَل الروم ، وبلاد اليمن كلها في الجنوب خاضعة للفرس ، يحكمها أمراء عرب من قبل الفرس ، وليست في أيدي العرب إلا الحجاز وتهامة ونجد ، وما إليها من الصحاري القاحلة التي تتناثر فيها الواحات الخصبة هنا وهناك !

وربما قيل: أنه كان في استطاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق الأمين الذي حكَّمه أشراف قريش قبل ذلك في وضع الحجر الأسود ، وارتضوا حكمه ، منذ خمسة أعوام قبل الرسالة ، والذي هو في الذؤابة من بني هاشم أعلى قريش نسبًا .. إنه كان في استطاعته أن يثيرها قومية عربية تستهدف تجميع قبائل العرب التي أكلتها الثارات ومزقتها النزاعات ، وتوجيهها وجهة قومية لاستخلاص أرضها المغتصبة من الامبراطوريات المستعمرة .. الرومان في الشمال والفرس في الجنوب .. وإعلاء راية العربية والعروبة ، وإنشاء وحدة قومية في كل أرجاء الجزيرة .

وربما قيل: أنه لو دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الدعوة لاستجابت له العرب قاطبة ، بدلًا من أن يعاني ثلاثة عشر عامًا في اتجاه معارض لأهواء أصحاب السلطان في الجزيرة !

وربما قيل: أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - كان خليقًا - بعد أن يستجيب له العرب هذه الاستجابة ، وبعد أن يولّوه فيهم القيادة والسيادة ، وبعد استجماع السلطان في يديه ، والمجد فوق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت