من أجل ذلك كله تكون القيم والأخلاق والإيحاءات والضمانات الإسلامية هي اللائقة بالإنسان . ويكون"الإسلام هو الحضارة"ويكون المجتمع الإسلامي هو المجتمع المتحضر .. بذلك المقياس الثابت الذي لا يتميع أو لا"يتطور".
وأخيرًا فإنه حين يقوم"الإنسان"بالخلافة عن"الله"في أرضه على وجهها الصحيح: بأن يخلص عبوديته لله ويخلص من العبودية لغيره ، وأن يحقق منهج الله وحده ويرفض الاعتراف بشرعية منهج غيره ، وأن يُحَكِّم شريعة الله وحدها في حياته كلها وينكر تحكيم شريعة سواها ، وأن يعيش بالقيم والأخلاق التي قررها الله له ويسقط القيم والأخلاق المدعاة . ثم بأن يتعرف بعد ذلك كله إلى النواميس الكونية التي أودعها الله في هذا الكون المادي ، ويستخدمها في ترقية الحياة ، وفي استنباط خامات الأرض وأرزاقها وأقواتها التي أودعها الله إياها ، وجعل تلك النواميس الكونية أختامها ، ومنح الإنسان القدرة على فض هذه الأختام بالقدر الذي يلزم له في الخلافة .. أي حين ينهض بالخلافة في الأرض على عهد الله وشرطه ، ويصبح وهو يفجر ينابيع الرزق ، ويصنع المادة الخامة ، ويقيم الصناعات المتنوعة ، ويستخدم ما تتيحه له كل الخبرات الفنية التي حصل عليها الإنسان في تاريخه كله .. حين يصبح وهو يصنع هذا كله"ربانيًا"يقوم بالخلافة عن الله على هذا النحو - عبادة الله . يومئذ يكون هذا الإنسان كامل الحضارة ، ويكون هذا المجتمع قد بلغ قمة الحضارة .. فأما الإبداع المادي - وحده - فلا يسمى في الإسلام حضارة .. فقد يكون وتكون معه الجاهلية .. وقد ذكر الله من هذا الإبداع المادي في معرض وصف الجاهلية نماذج: { أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ، وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ، وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ ، وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ، إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } . [ الشعراء: 128 - 135 ] .
{ أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ ، فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ، وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ ، وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ، وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ ، الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ } . [ الشعراء: 146 - 152 ] .