الركام وهذه التعسفات ، تتجلى عظمة العقيدة الإسلامية كما لم تتجل قط . وما من شك ان الذين يعرفون هذه المعرفة هم الأعلون على كل من هناك [1] .
وهو الأعلى تصورًا للقيم والموازين التي توزن بها الحياة والأحداث والأشياء والأشخاص . فالعقيدة المنبثقة عن المعرفة بالله ، بصفاته كما جاء بها الإسلام ، ومن المعرفة بحقائق القيم في الوجود الكبير لا في ميدان الأرض الصغير . هذه العقيدة من شأنها أن تمنح المؤمن تصورًا للقيم أعلى وأضبط من تلك الموازين المختلفة في أيدي البشر ، الذين لا يدركون إلا ما تحت أقدامهم . ولا يثبتون على ميزان واحد في الجيل الواحد . بل في الأمة الواحدة . بل في النفس الواحدة من حين إلى حين .
وهو الأعلى ضميرًا وشعورًا ، وخلقًا وسلوكًا .. فإن عقيدته في الله ذي الأسماء الحسنى والصفات المثلى ، هي بذاتها موحية بالرفعة والنظافة والطهارة والعفة والتقوى ، والعمل الصالح والخلافة الراشدة . فضلًا على إيحاء العقيدة عن الجزاء في الآخرة . الجزاء الذي تهون أمامه متاعب الدنيا وآلامها جميعًا . ويطمئن إليه ضمير المؤمن ، ولو خرج من الدنيا بغير نصيب .
وهو الأعلى شريعة ونظامًا . وحين يراجع المؤمن كل ما عرفته البشرية قديمًا وحديثًا ، ويقيسه إلى شريعته ونظامه ، فسيراه كله أشبه شيء بمحاولات الأطفال وخبط العميان ، إلى جانب الشريعة الناضجة والنظام الكامل . وسينظر إلى البشرية الضالة من عل في عطف وإشفاق على بؤسها وشقوتها ، ولا يجد في نفسه إلا الاستعلاء على الشقوة والضلال .
وهكذا كان المسلمون الأوائل يقفون أمام المظاهر الجوفاء ، والقوى المتنفجة ، والاعتبارات التي كانت تتعبد الناس في الجاهلية .. والجاهلية ليست فترة من الزمان ، إنما هي حالة من الحالات تتكرر كلما انحرف المجتمع عن نهج الإسلام ، في الماضي والحاضر والمستقبل على السواء ..
(1) - يراجع فصل"تيه وركام"في كتاب: خصائص التصور الإسلامي ومقوماته . ...