الصفحة 160 من 175

آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ، عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ، هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ .. ؟ [ المطففين: 29 - 36 ]

وقديمًا قص القرآن الكريم قول الكافرين للمؤمنين: { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا } .. [ مريم: 73 ]

أي الفريقين ؟ الكبراء الذين لا يؤمنون بمحمد ؟ أم الفقراء الذين يلتفون حوله ؟ أي الفريقين ؟ النضر بن الحارث ، وعمرو بن هشام ، والوليد بن المغيرة ، وأبو سفيان بن حرب ؟ أم بلال وعمار وصهيب وخباب ؟ أفلو كان ما يدعو إليه محمد خيرًا أفكان أتباعه يكونون هم هؤلاء النفر ، الذين لا سلطان لهم في قريش ولا خطر ، وهم يجتمعون في بيت متواضع كدار الأرقم ، ويكون معارضوه هم أولئك أصحاب الندوة الفخمة الضخمة ، والمجد والجاه والسلطان ؟!

إنه منطق الأرض ، منطق المحجوبين عن الآفاق العليا في كل زمان ومكان . وإنها لحكمة الله أن تقف العقيدة مجردة من الزينة والطلاء عاطلة من عوامل الإغراء ، لا قربى من حاكم ، ولا اعتزاز بسلطان ، ولا هتاف بلذة ، ولا دغدغة لغريزة . وإنما هو الجهد والمشقة والجهاد والاستشهاد .. ليقبل عليها من يقبل ، وهو على يقين من نفسه أنه يريدها لذاتها خالصة لله من دون الناس ، ومن دون ما تواضعوا عليه من قيم ومغريات ، ولينصرف عنها من يبتغي المطامع والمنافع ، ومن يشتهي الزينة والأبهة ، ومن يطلب المال والمتاع ، ومن يقيم لاعتبارات الناس وزنًا حين تخف في ميزان الله .

إن المؤمن لا يستمد قيمه وتصوراته وموازينه من الناس حتى يأسى على تقدير الناس ، إنما يستمدها من رب الناس وهو حسبه وكافيه .. إنه لا يستمدها من شهوات الخلق حتى يتأرجح مع شهوات الخلق ، إنما يستمدها من ميزان الحق الثابت الذي لا يتأرجح ولا يميل .. إنه لا يتلقاها من هذا العالم الفاني المحدود ، وإنما تنبثق في ضميره من ينابيع الوجود .. فأنّى يجد في نفسه وهنًا أو يجد في قلبه حزنًا ، وهو موصول برب الناس وميزان الحق وينابيع الوجود ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت