الصفحة 170 من 175

إن عليهم أن يؤدوا واجبهم ، ثم يذهبوا ، وواجبهم أن يختاروا الله ، وأن يؤثروا العقيدة على الحياة ، وأن يستعلوا بالإيمان على الفتنة وأن يصدقوا الله في العمل والنية . ثم يفعل الله بهم وبأعدائهم ، كما يفعل بدعوته ودينه ما يشاء . وينتهي بهم إلى نهاية من تلك النهايات التي عرفها تاريخ الإيمان ، أو إلى غيرها مما يعلمه هو ويراه .إنهم أجراء عند الله . أينما وحيثما وكيفما أرادهم أن يعملوا ، عملوا وقبضوا الأجر المعلوم ! وليس لهم ولا عليهم أن تتجه الدعوة إلى أي مصير ، فذلك شأن صاحب الأمر لا شأن الأجير !

وهم يقبضون الدفعة الأولى طمأنينة في القلب ، ورفعة في الشعور ، وجمالًا في التصور ، وانطلاقًا من الأوهاق والجواذب ، وتحررًا من الخوف والقلق ، في كل حال من الأحوال .

وهم يقبضون الدفعة الثانية ثناء في الملأ الأعلى وذكرًا وكرامة ، وهم بعد في هذه الأرض الصغيرة .ثم هم يقبضون الدفعة الكبرى في الآخرة حسابًا يسيرًا ونعيمًا كبيرًا .

ومع كل دفعة ما هو أكبر منها جميعًا . رضوان الله ، وانهم مختارون ليكونوا أداة لقدره وستارًا لقدرته ، يفعل بهم في الأرض ما يشاء .وهكذا انتهت التربية القرآنية بالفئة المختارة من المسلمين في الصدر الأول إلى هذا التطور ، الذي أطلقهم من أمر ذواتهم وشخوصهم . فأخرجوا أنفسهم من الأمر البتة ، وعملوا أجراء عند صاحب الأمر ورضوا خيرة الله على أي وضع وعلى أي حال .وكانت التربية النبوية تتمشى مع التوجيهات القرآنية ، وتوجه القلوب والأنظار إلى الجنة ، وإلى الصبر على الدور المختار حتى يأذن الله بما يشاء في الدنيا والآخرة سواء .فعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ:"لَقِيتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالْبَطْحَاءِ , فَأَخَذَ بِيَدِي , فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ , فَمَرَّ بِعَمَّارٍ , وَأَبِي عَمَّارٍ , وَأُمِّ عَمَّارٍ , وَهُمْ يُعَذَّبُونَ فَقَالَ:"صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ" [1] .."

وعَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ قَالَ شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِى ظِلِّ الْكَعْبَةِ ، قُلْنَا لَهُ أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ لَنَا قَالَ « كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِى الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ ، فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ ، مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ ، وَمَا

(1) - معرفة الصحابة لأبي نعيم - (5 / 2813) (6662 ) صحيح لغيره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت