الصفحة 24 من 59

إن مهمة التشريع في المجتمع الإسلامي - والتشريع هو المظهر البارز لتطور المجتمع لأنه تلبية مستمرة لهذا التطور - كانت دائمًا محكومة بأصل ثابت هو الشريعة الإسلامية - كما بينا فيما سبق - ومع أن الفقه الإسلامي كان تلبيه مستمرة لبروز الحاجات في المجتمع وتجدد الارتباطات، إلا أن نمو الفقه لم يكن طليقًا لأنه كان دائمًا مشدودًا إلى ذلك الأصل الثابت، محافظًا على المبادىء الأساسية، والسمات الأولية التي أراد الله لها الدوام في المجتمع الإسلامي.

بذلك تقوم الشريعة دائمًا مقام السياج الواقي، الذي يسمح للمجتمع الإسلامي بالنمو والتجدد: ولكن داخل هذا السياج، ووفق مقومات أصيلة ثابتة، وبذلك يظل الطابع الأصيل للمجتمع الإسلامي واضحًا مميزًا، بينما المجتمعات الغربية كان في وسعها دائمًا أن تنمو وفق المؤثرات الواقعية، غير متقيدة بأصل ثابت؛ لأن المسيحية لم تكن يومًا ما نظامًا اجتماعيًا، وذلك لخلوها من الشريعة التي تتولى تنظيم المجتمع وفق نظرية محددة.

هذه هي القاعدة على وجه الإجمال، فإذا دلّ التتبع التاريخي للمجتمع الإسلامي في أن هذا المجتمع كان ينحرف أحيانًا هنا أو هناك عن قاعدته الأساسية التي وضعتها له للشريعة الإسلامية، متأثرًا بمبادىء غريبة عليه، أو منساقًا مع التطورات البشرية في بعض رقاع الأرض، أو بسبب مؤثرات محلية في بعض الأقاليم التي انضمت إليه. . فإن هذا كله لا يجوز أن ينسينا أن تلك القاعدة الأساسية ظلت من القوة بحيث تشد إليها المجتمع الإسلامي شدًا قويًا، وتطبعه بطابع خاص، وتحدد طريقة نموه، وتجعل لهذا النمو والتطور تاريخًا خاصًا. لا يندرج تحت تاريخ التطور الاجتماعي في أوربا، ولا تصدق عليه القوانين الاجتماعية التي تصدق هناك. .

ومثل هذه الظاهرة ستظل ثابتة في المستقبل - لأن المستقبل لا يمكن فصله عن الماضي - فليس هناك ما يحتم أن يسلك المجتمع الإسلامي في المستقبل أي طريق تكون المجتمعات الغربية قد سلكته؛ لأن سياج الشريعة الإسلامية سيظل يحرس هذا المجتمع، مهما تكن عوامل المقاومة، فإن أربعة عشر قرنًا من الزمان لا يمكن محوها من تاريخ مجتمع، ولا من ضمير أمة، ولا من واقع حياة!

وبقي أن يسأل سائل: هل من الخير أن يظل نمو مجتمع من المجتمعات وتطوره مشدودًا إلى أصل ثابت، على حين تتجدد حاجات الحياة وتتنوع، وتختلف علاقات الانتاج، وتحتاج إلى مبادىء جديدة وشرائع جديدة، تلبي ذلك التجدد، وتماشي هذا الاختلاف.

والإجابة على هذا السؤال تقتضي معرفة طبيعة ذلك الأصل الثابت ومدى شموله لأصول الحياة الكبرة، كما تقتضي موازنات موضوعية بين مبادىء ذلك الأصل الثابت ومدى شموله لأصول الحياة الكبرى، كما تقتضي موازنات موضوعية بين مبادىء ذلك الأصل الثابت التي أنشأت المجتمع الإسلامي، وحددت له طريق النمو والتجدد؛ والمبادىء الأخرى التي عرفتها البشرية حتى اليوم، فإذا اتضح أن مبادىء الإسلام موضوعة في أصلها للاستمرار والتجدد، وأنها ما تزال أفضل، وما تزال أسبق، وما تزال سائر النظم التي عرفتها البشرية متخلفة عنها أو ناقصة. . فالثبات لا يكون عندئذ عيبًا إنما يكون ميزة لأنه يصبح ضمانة للارتفاع المستمر والتقدم المستمر، وعدم الانتكاس والتردي مع الأهواء والنزوات والانحرافات، ولا عبرة بأن يكون القانون قد شرع اليوم أو قبل مائة عام، إذا كان ما يزال سابقًا لخطو الجماعة التي تتعامل به، وملبيًا لحاجاتها الحاضرة في يسر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت