المجتمع الإسلامي مجتمع عالمي، بمعنى أنه مجتمع غير عنصري ولا قومي ولا قائم على الحدود الجغرافية، فهو مجتمع مفتوح لجميع بني الإنسان، دون النظر إلى جنس أو لون أو لغة، بل دون نظر إلى دين أو عقيدة.
إن الإسلام ينفي منذ اللحظة الأولى كل نعرة جنسية أو عنصرية، فيرد البشرية كلها إلى أصل واحد، ويقرر أن لا فضل لجنس فيها على جنس، ولا ميزة لعنصر فيها على عنصر، وأن اختلاف الألوان واللغات لا يدل على ميزة ولا أفضلية، ولم يرد به إلا التعارف لا التناكر، وأن هناك ميزانًا واحدًا لتقدير الأفضلية، هو تقوى الله وطاعته، والعمل الصالح في عباده. . . وهي أمور شخصية لا علاقة لها بالأجناس والألوان:
"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" [1] . . ."لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى".
وبذلك ينفي عن المجتمع الإسلامي فكرة التمييز العنصري منذ اللحظة الأولى، ويفتح أبوابه للبشر عامة على قدم المساواة الكاملة، وعلى أساس الشعور الإنساني الخالص، وليس أكره للحس الإسلامي من ذلك التعصب الذي تثيره نعرة الجنس على طريقة النازي أو طريقة اليهود، أو نعرة اللون على طريقة الأمريكان مع الهنود الحمر والزنوج، أو طريقة افريقيا الجنوبية مع الملونين عامة.
ومن ثم تملك جميع الأجناس البشرية، وجميع الألوان وجميع اللغات أن تجتمع في حمى الإسلام، وفي ظل نظامه الاجتماعي، وهي تحس آصرة واحدة تربط بينها جميعًا. آصرة الإنسانية، التي لا تفرق بين أسود وأبيض، ولا بين شمالي وجنوبي، ولا بين شرقي وغربي، لأنهم جميعاُ يلتقون عند الرابطة الإنسانية الكبرى:
"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء" [2] . ."ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية وليس منا من مات على عصبية" [3] .
وتبعًا لإزالة حواجز الجنس واللون واللغة. . . يزيل الإسلام تلك الحواجز الجغرافية التي تقوم بين شعوب الأرض وتخلق ذلك الشعور القومي الحاد، وتعمل بذلك على خلق المنافسة الخطرة بين القوميات المتباينة، وتؤدي في النهاية إلى التكالب الاستعماري، الذي هو في صميمه استغلال أمة لأمة، أو جنس لجنس، أو وطن لوطن،
وبديهي أن الواقع الأول للصراع الاستعماري في العصر الحديث كان هو شعور القومية الحاد، للتمييز وراء تلك الحدود الإقليمية، ورغبة كل دولة في أن تجد للشعب المنعزل الذي تمثله مجالا حيويًا لاستمداد الخامات والموارد البشرية، ولتصريف المنتجات والغلات الفائضة.
وبديهي أن الحروب الحديثة كلها قد قامت على هذا الأساس، وأن الشر الذي أصاب البشرية في الحربين الماضيتين، والذي يوشك أن يدمرها في الحرب المقبلة. . . كله قد نشأ من ذلك الشعور القومي الحاد، ومن ضعف الروح العالمية والروح الإنسانية.