نعم؛ إن الماركسية - على طريقتها في التفسير المادي للتاريخ وما يتبعه من التفسير الإقتصادي - ترجع فكرة الاستعمار إلى الرأسمالية وحدها، وتعد الاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية [4] وتقرر أن الاستعمار يعني الحرب؛ ولكن الذي يجرد نفسه من تلك النظرة التعسفية القائمة على تحكم نظرية خاصة في واقع الحياة الا على استمداد النظرية من الواقع. . يرى أن الرأسمالية وحدها لا تكفي لقيام نظام الاستعمار لو كان الناس لا يدينون بفكرة القومية الضيقة، وكل ما كانت تستطيع الرأسمالية أن تنشئه في هذه الحالة هو استغلال طبقة لحساب طبقة، وهذا وضع آخر غير الوضع الاستعماري المعروف، الذي هو في صميمه استغلال رقعة من الأرض بما فيها ومن فيها لحساب رقعة أخرى، لاختلاف الراية القومية التي تستظلان بها.
إن دعوى الماركسية أن الاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية هي دعوى مستمدة من العالم الذي تسود فيه فكرة العصبية القومية، لا فكرة الاخوة العالمية، والنظام الإسلامي يحطم النظام الاستعماري بتحطيم العصبية القومية.
أما الاستغلال الطبقي فيحطمه بوسيلة أخرى؛ موعدنا بها في موضعها في مقال آخر.
إن الإسلام لا يعرف تلك الحدود الإقليمية، كما أنه لا يعرف حدود الأجناس والألوان. فالأرض لله جميعًا، وقد خلقها بما فيها لهذا المخلوق الإنساني،:"وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً" [5] .
والجنس البشري كله مستخلف في هذه الأرض لعمارتها وإنمائها واستغلال كنوزها، والناس كلهم أخوة، لا ينالون رحمة الله وعونه ما لم يتراحموا بينهم، ويتعاونوا على العمل الصالح، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء"بدون تخصيص لجنس ولا عنصر، بل بدون تخصيص لأتباعه المسلمين.
ومن ثم فالاستعمار والحرب الاستعمارية لا مجال لهما في التفكير الإسلامي، لأن البشر في عرف الإسلام أمة واحدة، فلا معنى لاستغلال جنس من الأجناس، أو وطن من الأوطان لحساب الجنس الآخر، أو الوطن الآخر، إن مثل هذا التفكير يبدو مضحكًا أو مقززًا في التقدير الإسلامي (وسنرى فيما بعد أن الحروب الإسلامية كانت لها أسباب غير هذه الأسباب)
وحين يزيل الإسلام تلك الحواجز الجغرافية أو العنصرية التي تقوم عليها فكرة الوطن القومي؛ فإنه لا يلغي فكرة الوطن على الإطلاق، إنه يبقي على المعنى الطيب وحده لهذه الفكرة، معنى التجمع والتآخي والتعاون والنظام، ومعنى الهدف المشترك الذي تلتقي عليه الجماعة من الناس، فيجعل الوطن فكرة في الشعور لا رقعة من الأرض، هذه الفكرة يجتمع في ظلها الناس من كل جنس ولون وأرض؛ فإذا هم أبناء وطن واحد، وإذا هم إخوة في الله، وإذا هم متعاونون على ما فيه خيرهم وخير البشرية جميعًا. . . تلك الفكرة هي الإسلام:"إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" [6] . . ."المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" [7] . . ."مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" [8] .
إن فكرة الإسلام هنا تقوم مقام فكرة الوطن في معناها الطيب، الذي لا ينشأ عنه حب استغلال رقعة من الأرض لحساب رقعة أخرى، ولا فكرة استغلال طائفة من البشر لحساب طائفة أخرى، وكل ما ينشأ عنها هو الشعور بأن كل أرض يُظلِّلها الإسلام هي وطن للجميع، وكل مسلم على ظهر الأرض هو مواطن للمسلمين جميعًا، وما من شك أن التزاحم على فكرة لا ينشيء شيئًا من الشر الذي ينشئه التزاحم على مصلحة، وإن الرغبة في نشر فكرة لا تنشيء شيئًا من الشر الذي تنشئه الرغبة في نشر نفوذ بقصد الاستغلال الذي يسمونه الاستعمار.