الصفحة 17 من 59

إذا كان المستقبل - كما أسلفنا - لفكرة الإسلام عن الحياة، وللنظام الاجتماعي الذي ينبثق من هذه الفكرة، بحكم أنه أكثر النظم التي عرفتها البشرية قبولا لنمو الحياة ورقيها، وبحكم أن الفكرة التي ينبثق منها هي أحد الأفكار التي عرفتها البشرية حيوية، وأكثرها سعة وشمولا لحاجات البشرية المتجددة.

إذا كانت هذه حقيقته - وأرجو أن ينجح هذا بعد عرض مقومات المجتمع الإسلامي في المقالات التالية - فكيف نستوحي الإسلام إذن في استخلاص تلك المقومات وتصويرها! إنه لا بد قبل محاولة استخلاص تلك المقومات من الاتفاق على أصول معينة، أو اتخاذ منهج معين في استيحاء الإسلام واستلهامه كي لا يكون الأمر فوضى، أو يكون متروكًا للفرض والهوى:

يجب في المقدمة أن نجلو حقيقتين كبيرتين:

أولاهما:

إن الشريعة الإسلامية شيء والفقه الإسلامي شيء آخر، وإنهما ليسا متساويين لا في المصدر، ولا في الحجية، وان موقفنا في استحياء مقومات المجتمع الإسلامي ونظمه منهما ليس واحدًا.

وثانيتهما:

إن الصورة أو الصور التاريخية للمجتمع الإسلامي، ليست هي الصورة أو الصور النهائية لهذا المجتمع؛ بل إن هنالك صورًا متجددة أبدًا، يمكن أن تحمل هذا الوصف"إسلامي"وتنبثق من الفكرة الإسلامية الكلية، وتعيش في إطارها العام.

ولبيان هاتين الحقيقتين وجلائهما قيمة كبرى في تحديد المنهج الذي نتبعه في استيحاء الفكرة الإسلامية، واستلهامها في الميدان الاجتماعي.

إن الشريعة الإسلامية ثابتة لا تتغير. . لأنها المبادىء الكلية الأساسية لهذا الدين القيم الذي ارتضاه الله للناس كافة:"إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ" [1] . ."وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ" [2] وقد كملت هذه الشريعة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وانتهت إلى غايتها التي أراد الله لها الدوام أبدًا:"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا" [3] وتقررت كذلك نظامًا للحكم، ودستورًا للعمل، لا مفر من اتباعه، ولا يقبل من المسلم أن ينحرف عنه:"وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ" [4] "وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا" [5]

ولكن الحياة تندفع دائمًا إلى الأمام، وتتجدد حاجاتها ومطالبها وتتغير علاقات الناس فيها ووسائل العمل وطرق الإنتاج، وتبرز إلى الوجود أوضاع جديدة، ومشاعر جديدة، وأهداف جديدة، فكيف إذن يمكن لفكرة ثابتة أن تواجه حاجات وأحوالا متجددة؟ وكيف يمكن لهذه الحاجات والأحوال أن تتحرك وتنمو في ظل فكرة ثابتة؟

هذا ما فطنت إليه الشريعة الإسلامية قبل كل شيء؛ فجاءت في صورة مبادىء كلية وقواعد عامة يمكن أن تنبثق منها عشرات الصور الاجتماعية الحية وتعيش في داخل إطارها العام، وتتخذ منها مقوماتها الأساسية، ثم تختلف بعد ذلك في التفريعات والتطبيقات ما تشاء، دون أن تصادم الأهداف الثابتة والغايات الدائمة، التي تتعلق بالإنسان بوصفه إنسانًا لا بوصفه فردًا معينًا في حيز من الزمان والمكان، ولا جيلًا محدودًا في فترة من فترات التاريخ.

ونحن نعرف مدى كراهية بعض المذاهب المادية - وبخاصة الماركسية - للمذاهب الثابتة، والمبادىء الدائمة، لأنها تصادم فكرتها عن التطور الدائم، وتعارض اتجاهها إلى تحطيم المثل المجرد، ولكننا ننظر إلى الموضوع نظرة أوسع من نظرة الماديين المحدودة، فلا نرى أن هنالك تعارضًا بين وجود الأهداف الثابتة وتحقق التطور الدائم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت