إن اعتبار ارتقاء الحياة هدفًا ثابتًا لا ينفي تطور الحياة نحو هذا الهدف، واعتبار الإنسانية وشيجة متصلة ذات أهداف مترابطة لا ينفي حاجات كل جيل وأهدافه تتخذ شكلًا معينًا، يناسب ظروفه ووراثاته ودوافع حياته، ولكنها في عمومها لا تخرج عن هذه الوشيجة المتصلة ولا عن ذك الهدف الثابت.
وهكذا يبدو أن النظرة الضيقة وشدتها، والرغبة التحكمية في إثبات نظرية معينة هي التي تجعل الماركسيين ينفرون من الأفكار والأهداف الثابتة، وينكرونها إنكارًا شديدًا.
أما النظرة الواسعة وحرية التفكير الطليقة، والتأمل في خط سير البشرية الطويل فهي كلها في جانب النظرة الإسلامية التي تعد الحياة كما تعد الإنسانية وشيجة متصلة الحلقات، متعاقبة الأطوار، فتضع للغايات الحيوية والإنسانية الدائمة أصولا عامة ثابتة في الشريعة، وتدع للفقه الإسلامي تلبية الحاجات والأوضاع المتطورة المتجددة في نطاق تلك الشريعة الثابتة.
الشريعة الإسلامية إذن ثابتة لا تتغير لأنها ترسم إطارًا واسعًا شاملًا يتسع لكل تطور. أما الفقه الإسلامي فمتغير لأنه يتعلق بتطبيقات قانونية لتلك المبادىء العامة في القضايا والأوضاع المتجددة التي تنشأ من تطور الحياة، وتغير العلاقات، وتجدد الحاجات.
الشريعة الإسلامية من صنع الله. ومصدرها القرآن والسنة. والفقه الإسلامي من صنع البشر استمدوه من فهمهم وتفسيرهم وتطبيقهم للشريعة، في ظروف خاصة، وتلبية لحاجات خاصة، واستيحاء لأوضاع جيلهم الذي عاشوا فيه، وفهمه للأمور وتقديره للغايات والأهداف، ومصالحه التي تمليها الوقائع والأشياء، وأيا ما كان بصر هؤلاء الرجال الذين وضعوا الفقه الإسلامي، وأيا ما كان إدراكهم لروح هذه الشريعة ومراميها، وأيا ما كانت سعة آفاقهم ودقة تقديراتهم - وهو الواقع فعلا - فإنه ينبغي أن نضع في الاعتبار دائمًا أن تشريعاتهم الفقهية كانت تلبية لحاجات زمانهم الواقعية. وحتى الفروض النظرية التي افترضوها وأجابوا عليها لم تكن إلا من وحي هذه الحاجات، أو من وحي منطق البيئة التي أحاطت بهم والعصر الذي عاشوا فيه، والعلاقات والارتباطات الاجتماعية التي كانت سائدة في تلك البيئة وفي هذا العصر.
وهذه النظرية العامة لا تقتصر على فقهاء الإسلام الذين عرفوا بهذا اللقب، إنما تشمل كذلك حتى صحابة رسول الله - بعد موته صلى الله عليه وسلم - فأبو بكر وعمر وعلي وابن عباس وابن عمر وإخوانهم - رضي الله عنهم - هم أكثرا بصرًا بشريعة الإسلام من غير شك، وأعمق إدراكًا لمبادئها واتجاهاتها بلا جدال. ولكن تطبيقاتهم لهذه الشريعة لا تخرج عن تلك القاعدة، وهي أنها جاءت تلبية مباشرة لحاجات البيئة ومقتضيات العصر، ولا يمكن أبدًا أن تصبح جزءًا مقدسًا من الشريعة - ومصدرها هو القرآن وسنة رسول الله وحدهما - وما عدا هذين المصدرين فهو فقه إسلامي تختلف درجة حجيته بقياس بعضه إلى بعض؟ وينير الطريق للأجيال التالية ويساعدها على الفهم، ويرشدها في طريقة التطبيق والاستنتاج.
ويحسن قبل أن نمضي في تفصيل هذه القاعدة أن نفرق بين نهرين عظيمين في الفقه الإسلامي! نهر العبادات ونهر المعاملات - وإن يكن هنالك ارتباط وثيق في طبيعة العقيدة الإسلامية بينهما جميعًا [6] - فالفقه الخاص بالعبادات أكثر ثباتًا واستقرارًا، لأنه يتعلق بشعائر تعبدية لا تتأثر بتوالي العصور والأجيال، وأما الفقه الخاص بالمعاملات، فهو أكثر تطورًا، لأنه أشد تأثرًا بالحاجات البشرية المتجددة التي لا تستقر على وضع معين، بحكم تشابك العلاقات، وتغير الأحوال، وبروز أوضاع وعلاقات اجتماعية جديدة لم تكن من قبل في الحساب.