والذي يهمنا في هذا البحث هو فقه المعاملات وحده، لأنه هو الذي يتولى تنظيم المجتمع وتصريف الحياة العامة، وتحديد العلاقات والروابط في كل جانب من جوانبها الكثيرة.
هذا الفقه هو الاستجابة المتكررة لدواعي الحياة المتجددة في صورة تطبيق تشريعي جزئي للشريعة الإسلامية الثابتة على حالات غير ثابتة في حياة الأمة الإسلامية.
ومما لا يقبل الجدل - كما قلت - أن رجالا كأبي بكر وعمر وعلي وابن عباس وابن عمر ومن اليهم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعمق إدراكًا وأشد بصرًا بروح الشريعة الإسلامية، وتطبيقهم لها في الحالات التي عرضت لهم بعد رسول الله أحكم وأدق، ولكن هذا لا ينفي أن هذا التطبيق إنما جاء تلبية للحاجات الواقعة حينذاك، ومن وحي المنطق الواقعي لهذه الحاجات، ولما كانت الحالات الاجتماعية لا تتكرر أبدًا في التاريخ، إنما تتشابه مجرد تشابه، فإن أي حكم تطبيقي في حالة مضت - ليس من شرع الله ولا من عمل رسول الله - إنما يصلح للاسترشاد به وإلاستشهاد به في الحالات المشابهة التي تعرض للأجيال المتجددة ولكنه لا يبلغ حد الإلزام المطلق؛ لأنه مجرد رأي بشري في شريعة الله، ليس جزءًا من الشريعة الثابتة الصادرة من الله.
ومتى سلمنا بهذه القاعدة بالقياس إلى خلفاء رسول الله وصحابته فإنها تصبح بالقياس إلى فقهاء الإسلام أصحاب المذاهب وغيرهم بديهية واضحة لا تحتاج إلى جدال.
هذا فيما يتعلق بالشريعة والفقه، أما فيما يتعلق بالمجتمع وأطواره، فإن الصور التاريخية للمجتمع الإسلامي لا تحدد ولا تستوعب كل الصور الممكنة للمجتمع الإسلامي ولكل جيل أن يبدع نظمه الاجتماعية في حدود المبادىء الإسلامية، وأن يلبي حاجات زمانه باجتهادات فقهية قائمة على الأصول الكلية للشريعة على شرط اتباع مناهج صحيحة في الاجتهاد واتفاق بين جمهرة فقهاء الأمة الإسلامية في كل جيل، بحيث لا ندع الأمر فوضى لكل من شاء كيف شاء.
وبتقرير هذه القواعد تصبح السوابق التاريخية في نظم المجتمع الإسلامي - فيما لم يرد فيه نص صريح من الشريعة - مجرد معالم تهدي ومنارات تضيء، وينفسح المجال للانتفاع بالتجارب البشرية في تنظيم المجتمع، مع المحافظة على الخصائص الثابتة في الفكرة الإسلامية الاجتماعية، والسمات التي جاء الإسلام ليحققها في المجتمع الإنساني. . فإنه ينبغي أن يكون واضحًا أن الإسلام قد جاء لينشىء حضارة معينة لهذا المجتمع في فترة تعد لمحة أو ومضة في حياة الأمم. .
ومعجزة هذا الإسلام الكبرى، هي أنه يملك أن يحافظ على مبادئه وخصائصه، وأن يسمح في الوقت ذاته ببروز صور شتى من المجتمعات كلها قائم على تلك المبادىء والخصائص. ومرد هذا إلى أن تلك المبادىء والخصائص، يحكمها ذات القانون الذي يحكم الفطرة البشرية، ويحكم الحياة الإنسانية؛ بل يحكم الوجود كله في الحقيقة، وهذا القانون يتضمن الثبات والاستمرار مع التطور والتحرر كجزء أصيل من كيانه. . وعندئذ لا يصطدم تطور البشرية الدائم بتلك الشريعة الثابتة، لأن طبيعة الناموس الذي يحكمها واحد في صميمه.
وفيما يختص بالتفريعات والتطبيقات التي يحتاج إليها المجتمع لمسايرة الحاجات الزمنية المتجددة لا يخرج الأمر عن أربعة احتمالات:
الأول: