أن تكون الشريعة قد نصت على حكم معين نصًا صريحًا، فهو إذن واجب التطبيق دون تحوير أو تبديل، لأنه في هذه الحالة إما أن يكون متعلقًا بركن أساسي من أركان المجتمع الإسلامي التي أريد لها الدوام، لأنها أصيلة في كيان هذا المجتمع، مميزة له عما سواه من مجتمعات، كالنص على تحريم الربا، لأن الربا يتعارض تعارضًا أساسيًا مع القاعدة الاقتصادية والاجتماعية التي يريد الإسلام أن يقيم مجتمعه عليها، ولا سبيل إلى التوفيق بينهما ولا إلى التعديل في تلك القاعدة الأساسية الأولى، وإما أن يكون متعلقًا بسمة أساسية من سمات هذا المجتمع أريد تثبيتها والمحافظة عليها للمحافظة على هدف دائم في كل زمان ومكان كالنص على الحدود الإسلامية تحقيقًا لمبادىء أخلاقية معينة يراد لها الثبات في المجتمع الإسلامي، وإما أن يكون متعلقًا بمبدأ تشريعي لا يتغير أصله بتغير الزمان والمكان كالنص على وجوب كتابة الدين المؤجل - غير التجاري - والإشهاد عليه مع الكتابة؛ إلا أن يكون تجارة حاضرة فيجوز إثباته بشهادة الشهود، لأن في النص من الموافقة لأحوال التعامل ما يضمن صلاحيته واستمراره.
ونحن إذا تتبعنا الأحكام الثابتة في الشريعة وجدناها كلها تتعلق بمثل هذه المعاني فثبوتها إذن لا يعني الجمود؛ لأنه يتعلق بأهداف ثابتة، ومن هنا يلتقي الناموس الذي يحكمها بالناموس الذي يحكم الحياة والفطرة! وهو ناموس ثابت في أصله متحرك في جزئياته، لأنه جزء من ناموس الوجود الأكبر الذي يجمع بين الثبات والحركة في كل لحظة، وفي كل جزئية على ما نشهد من ثبوت الأفلاك وتحركها، وثبوت الحياة وتحركها، وثبوت المجتمع وتحركه؛"فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ" [7] .
الثاني:
أن تكون الشريعة قد جاءت فيه بنص أو نصوص قابلة للتأويل فيكون حينئذ قابلا للاجتهاد ترجيحًا أو توفيقًا بين النصوص المختلفة إن كانت، أو بين النص الواحد والحالة المراد تطبيقه عليها، وذلك مع الاسترشاد بالتطبيقات العملية في صدر الإسلام إن وجدت، والاستعانة بأقوال الفقهاء في المسألة، ولكن دون التزام كامل بتلك التطبيقات أو بهذه الأقوال التي لم تكن إلا تلبية مباشرة لحاجات العصر الموقوتة.
الثالث:
أن تكون الشريعة قد جاءت بمبدأ عام، تدخل هذه المسألة الخاصة فيه ضمنًا، ولكنه لا ينص عليها تصريحًا، وعندئذ يكون الأمر موضع اجتهاد في تطبيق المبدأ العام على الجزئية المعروضة مع الاسترشاد بالسوابق التاريخية والأحكام الفقهية مجرد استرشاد. .
الرابع:
أن تكون الشريعة قد سكنت عن هذا الأمر فهو متروك إذن للاجتهاد المطلق، على ألا يصدم الحكم الذي يصل إليه مبدأ من مبادىء الإسلام الأساسية، ولا أصلا من أصوله التشريعية ولنا أن نسترشد فيه بتصرف فقهاء الإسلام في مثل هذه الأحوال.