الصفحة 21 من 59

بهذا نحتفظ للفكر الإسلامي بمرونته، وللنظام الإسلامي بتجدده، ونخلص كذلك من التعقيدات الفقهية التي جاءت في العصور المتأخرة، والتي تشيع اليأس في رواد الشريعة الإسلامية عن طريق هذا الفقه المعقد، لأنهم يحسبونه أصلا من أصول الشريعة لا تتاح لإنسان معرفة الإسلام إلا بدراسته، على حين أن الأحكام الفقهية لا تزيد على أن تكون محاولات بشرية لتفسير تلك الشريعة وتطبيقها تفسيرًا وتطبيقًا صالحًا لفترة معينة من الزمان، ومستمدًا من روح هذه الفترة وتصوراتها للحياة، وقد لا تصلح هذه المحاولات لأكثر من زمانها، والفهم الصحيح لروح الإسلام وطريقة الإسلام في علاج الحياة يحتم علينا أن نرجع دائمًا إلى الشريعة البسيطة المجملة نستلهمها حاجات زماننا استلهامًا مباشرًا، كما صنع الفقهاء المجتهدون في أيامهم، تلبية لحاجات أمنهم وزمانهم.

وأحب قبل أن أختم هذا المقال، أن أزيد المنهج إيضاحًا:

لقد استمر نمو الفقه الإسلامي وتطوره إلى نحو القرن الثامن بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم الى الرفيق الأعلى وكان في نموه وتطوره متابعًا لنمو المجتمع الإسلامي وتطوره كذلك. وملبيًا لحاجاته المتجددة حسب بروز تلك الحاجات؛ لأن الشريعة الإسلامية كانت هي التي تحكم المجتمع وتصرفه في معظم شؤونه.

وأقول في معظم شؤونه - لا في جميعها - لأن سياسة الحكم وسياسة المال قد انحرفت قليلا أو كثيرًا عن مبادىء الإسلام وأصول الشريعة، منذ أن بدأ الملك العضوض على يدي معاوة، وانقضت أيام الخلافة الرشيدة.

ومهما تكن هذه الانحرافات جزئية في نشأتها، فقد أخذت تعظم شيئًا فشيئًا، وأخذ ظل الشريعة السمحة يتقلص شيئًا فشيئًا كذلك عن نواحي من نشاط المجتمعات الإسلامية، وشيئًا فشيئًا كان نمو الفقه الإسلامي يتقلص كذلك عن هذه النواحي، بينما يستمر هذا النمو ويزداد في النواحي الطليقة التي تركت الحكومات المنحرفة للناس وللفقهاء أن يتحدثوا فيها. .

ومن هنا نشأ ذلك التضخم في فقه العبادات في العصور المظلمة وذلك الانكماش في فقه النظم الاجتماعية؛ لأن مجال العبادات كان هو المجال المأمون الذي لا تؤذي فيه الثرثرة، بل ربما تفيد لأنها تشغل أذهان الرعية بالجدل الفقهي عن مناقشة الأوضاع الاجتماعية السائدة في تلك العصور!!

ومع هذا فقد وصل الفقه الإسلامي في كافة حقوله إلى فتوحات عظيمة حتى القرن الثامن الهجري، وبخاصة في التشريع الجنائي، والتشريع المدني.

وكذلك في التشريع التجاري، وقد كان هذا الحقل الأخير هو الذي استمدت منه أوربا نقلا عن المجتمع الإسلامي في الأندلس وأفادت منه فائدة كبرى في تشريعها التجاري الحالي [8] ولكن هذا الفقه قد وقف نموه أو كاد منذ القرن الثامن الهجري وذلك تبعًا لركود المجتمع الإسلامي ذاته بحيث لم يعد يجد فيه من التغيرات والحاجات ما يستدعي اجتهادًا فقهيًا ذا بال. . حتى إذا قفزت الحياة قفزاتها الواسعة في القرون الثلاثة الأخيرة وتجدد المجتمع الإنساني طفرة، لم يكن الفقه الإسلامي على استعداد لمسايرة الحياة المتوثبة، وبذلك وجدت فجوة تاريخية ضخمة في تسلسل هذا الفقه ومسايرته للحياة الجديدة، وحاجاتها التي تضاعفت أضعافًا كثيرة.

فماذا نصنع نحن اليوم إذا أردنا تحكيم الشريعة الإسلامية في مجتمعنا الحاضر؟

إن أمامنا طريقين اثنين:

الأول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت