أن نتابع خطوات الفقه الإسلامي من حيث وقفت، لكي نستجد من البحوث ما يملأ هذه الفجوة الواسعة العميقة ولكي تكون هذه التنمية طبيعية لا مصطنعة، فإنه يجب أن نتتبع الأحوال الاجتماعية، والحاجات اليومية التي برزت وتسلسلت في خلال القرون الثلاثة الأخيرة لتتابعها بدراسات فقهية متطورة متسلسلة حتى تجيء بها إلى العصر الحاضر، في تسلسل طبيعي حي كالذي تم في القرون الثمانية الأولى، ولما كانت الأحوال الاجتماعية الماضية لا يمكن الإحاطة بها على وجه الدقة فإن عملنا إذًا سيكون قائمًا على فروض، لا نأمن الزلل فيها. فضلا على أنها ستكون محاولة اصطناعية لأن الحاجة الواقعة التي تستلزم تشريعًا معينًا ليست هي التي تلجئنا إلى هذه المحاولة، إنما هي مجرد افتراضات لحاجات لا نحس بها اليوم، لأن عجلة الزمن قد تجاوزتها في سير الزمان الطويل.
وبغير تنمية الفقه الإسلامي على هذا النحو حتى نصل به إلى الوقت الحاضر، يصبح رجوعنا إلى هذا الفقه في الجانب الاجتماعي - لغير مجرد الاسترشاد - عملية تعسفية لا تمدنا بحلول كاملة لمشكلاتنا الواقعية.
الثاني:
أن نرجع مباشرة إلى الشريعة الإسلامية، إلى مبادئها العامة وتشريعاتها الكلية، نستلهمها حلولا تطبيقية لمشكلاتنا المعاصرة، كما فعل من قبلنا من فقهاء الإسلام حينما دعتهم حاجات زمانهم إلى استلهام تلك الشريعة. مسترشدين مع هذا بطريقتهم في التطبيق ومستعينين بما وصلوا إليه من أحكام. . وهذا في نظري هو الطريق المعقول، إن لم يكن هو الطريق الوحيد [9] .
وعلى هذا الطريق سنسير في تشخيص مقومات المجتمع الإسلامي، الذي نعتقد أنه مجتمع المستقبل، لا بالقياس إلى العالم الإسلامي وحده، بل بالقياس إلى العالم الإنساني.
[1] سورة آل عمران: 19.
[2] سورة آل عمران: 85.
[3] سورة المائدة: 3.
[4] سورة المائدة: 44.
[5] سورة الحشر: 7.
[6] يراجع فصل طبيعة العدالة الاجتماعية في كتاب"العدالة الاجتماعية في الإسلام".
[7] سورة الروم: 30.
[8] نقلا عن الأستاذ الكبير محمد صالح أستاذ القانون التجاري.
[9] هذا رأيي. ولكني أرجو حضرات القراء الذين يعن لهم مخالفته أو تعديله أن يوافوني بآرائهم في هذا الشأن لعل فيه هدى، فإني على وشك أو أجعل هذا الرأي هو قاعدتي في تصور المجتمع الإسلامي الحديث الذي يمكن أن ننشئه أو نستأنفه. وعلى الله التوفيق.