إن الخاصية الرئيسية التي تفرد بها النظام الاجتماعي الإسلامي من سائر النظم الاجتماعية التي عرفتها البشرية قبل الإسلام وبعده، هي أنه نظام رباني، وأنها نظم وضعية، ومن هذه الخاصية تنبع كل الخصائص التي تحدد طبيعة هذا النظام.
ولقد أشرنا إلى هذه الخاصية عند الكلام عن"طبيعة المجتمع الإسلامي"فالآن نفصل القول فيها:
إن النظم الاجتماعية الوضعية من صنع المجتمع ذاته، سواء عن طريق فلسفة معينة يبتدعها أفراد، ثم تعتنقها الجماعة وتتكيف بها، وتضعها موضع التطبيق العملي، في الحياة كالمادية الجدلية، التي بنيت عليها الماركسية، ثم النظام الاجتماعي الذي تأخذ به روسيا الآن والدول التي تدور في فلكها. . أو عن طريق تطورات واقعية في حياة المجتمع، تدفع به عمليًا إلى أوضاع اجتماعية ونظم اقتصادية وسياسية، وذلك كما وقع في أوربا عند تحولها من نظام الإقطاع إلى النظام الرأسمالي، تحت ضغط التحولات الواقعية في حياة الجماعة، وإن كان الغالب أن تتفاعل التحولات الواقعية مع الفلسفات النظرية، وتؤثر فيها وتتأثر بها، حتى يتم التطور الاجتماعي إلى نظام بعد نظام، وفي جميع الحالات نستطيع أن نقول: إن النظم الاجتماعية الوضعية كانت من صنع المجتمع ذاته، على أي من الاعتبارات التي أسلفنا.
فأما المجتمع الإسلامي فلم يسلك هذا الطريق؛ لأنه برز إلى الوجود نتيجة نظام رباني، قائم على العقيدة الإسلامية، والشريعة القائمة على هذه العقيدة، فكان المجتمع الإسلامي بكل مقوماته وخصائصه انبثاقًا من هذه العقيدة ومن تلك الشريعة، التي ليس للبشر فيها من عمل إلا تلقيها، والتكيف بها، والتقيد بقالبها، والنمو في حدودها. . من ثم فهو نتاج العقيدة والشريعة الربانيتين، وهو على هذا الاعتبار نظام رباني.
والله سبحانه وتعالى يقول في الكتاب الكريم:"كنتم خير أمة أخرجت للناس"وهذا التعبر"أخرجت"يدل دلالة واضحة على حقيقة نشأة هذه الأمة وحقيقة النظام الذي يقوم عليه وجودها، فهي أمة مخرجة إخراجًا، وفق نموذج معين، يحققه نظام معين، وهي لم تخرج نفسها وفق نموذج من تصوراتها العقلية، أو ضرورتها، إنما وضع لها نظامها من لدُن خالقها؛ وأخرجت للناس على وفقه إخراجًا ربانيًا.
وقبل أن ننتقل إلى تتبع بعض الآثار التفصيلية لتلك الخاصية الأساسية، في نظام المجتمع الإسلامي، نحب أن نؤكد مبدأ هامًا يترتب على تلك الخاصية:
إن النظام الاجتماعي الإسلامي، وقد انبثق من العقيدة الإسلامية، وتكييف وجوده بالشريعة الإسلامية، يجب أن يظل دائمًا خاضعًا في نموه وتجدده للأصل الذي انبثق منه، وللشريعة التي كيفت وجوده، يجب أن تكون الشريعة الإسلامية هي المسيطرة على كل تطور في نظام المجتمع الإسلامي، وألا يترخص هذا النظام في اتجاه من اتجاهاته الكلية أو الجزئية خضوعًا لأوضاع أجنبية عن طبيعته، تضغط عليه من الخارج، يبنما هو يملك تلبية جميع الحاجات المتجددة في حدود قانونه هو، وحسب اتجاهه الذاتي، وقد تضمن في صلبه طريقة مواجهة كل حاجة وكل ضرورة، وطريقة تقدير الضرورات الواقعية، التي لم يدع تقديرها للبشر جزافًا، إنما نص على بعضها صراحة، وحدد طرق القياس على ما نص عليه، ليظل تقدير الضرورات والحاجات محكومًا بقانونه الذاتي.