إن هذا النظام دقيق في تكوينه ومتكامل في مجموعه، وكل صغيرة وكبيرة فيه متناسقة بعضها مع بعض، وفق القاعدة التي يقوم عليها، وهو من الدقة بحيث تتغير طبيعته بدخول أي عنصر غريب عن هذه الطبيعة في تركيبه، هو نظام غير قابل للترقيع، غير قابل لأن نستعير له"قطع غيار"من أي نظام وضعي، لأن الاعتقاد فيه والعبادة، والسلوك والمعاملة، كلها مترابطة، وكلها متناسقة، وكلها متفاعلة وكلها نابعة من عقيدة واحدة، ذات أهداف مرسومة، وهي تنشىء آثارها الاجتماعية وفق تركيبها الذاتي، فلا تصلح معها آثار اجتماعية أخرى، ناشئة من فلسفات أو أوضاع أجنبية، مهما تكن في ظاهرها بعيدة عن موضوع العقيدة، كالمسائل الاقتصادية والمالية مثلا، وسنرى بعد قليل أن كل جزئية من جزئيات هذا النظام مهما بدت بعيدة عن العقيدة، مرتبطة ارتباطًا وثيقًا، ومتأثرة تأثرًا عميقًا بتلك العقيدة،
ومع هذا فإن الإسلام لا يحرم الانتفاع بالتجارب البشرية في كل ما لا يمس أصلا من أصول الشريعة، فلا حرج في الانتفاع بتجارب البشر في تحديد الحاجات الاجتماعية المتجددة وضبطها بوسائل البحث المتجددة، ولا حرج في الانتفاع بتلك التجارب في وسائل تنفيذ المبادىء الإسلامية، إن مبادىء الإسلام ثابتة لا تتغير، أما تحقيق هذه المبادىء فمتجددة، ومن ثم تملك الانتفاع بتجارب البشر في هذا المجال وذاك، على ألا نصطدم سواء في تحديد الحاجات الاجتماعية وضبطها أو في وسائل تلبيتها وتحقيقها بمبدأ ثابت في الإسلام، ولا باتجاه أساسي من اتجاهاته الخالدة.
ونضرب هنا بعض الأمثلة متعجلين بها مواضعها من هذا البحث، لإيضاح ما نعنيه هنا:
إن الإسلام مثلا يجعل العدل المطلق، بكل معانيه، في جميع مجالاته، أصلا من أصول الحياة في المجتمع الإسلامي، العدل في تسوية البشر جميعًا من ناحية النشأة، والجنس والحقوق والواجبات، والعدل في إقامة فرص الحياة والنمو والعلم والعمل والتفوق لجميع من يضمهم الوطن الإسلامي، دون حاجز من جنس أو لون أو طبقة أو نسب أو نفوذ مالي أو كائنًا ما كان من الحواجز، والعدل في الحكم والتقاضي دون تأثير من مودة أو شنآن، ودون تأثير بقيمة من القيم على اختلافها، حتى الدينية منها (وسيأتي تفصيل هذا كله) . . هذا من ناحية المبدأ في ذاته، فأما وسائل تحقيقه فهي غير محدودة في الشريعة، وقد حدد الفقه الإسلامي بعض الوسائل التي رآها مناسبة للعصر الذي نشأ فيه؛ وما تزال هذه الوسائل قابلة للتجدد حسب ظروف كل بيئة، وحسب التجارب البشرية النافعة في هذا المجال. . ولنأخذ عدالة التقاضي مثلا، فهل تراها تتحقق بأن تكون هناك محكمة واحدة أو بدرجات من المحاكم؟ تراها تتحقق بأن يكون القاضي عامًا أو أن يتخصص القاضي وتتخصص المحكمة في نوع من القضايا؟ تراها تتحقق بفصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، أو بأن يكون للقاضي أو لبعض أنو
اع القضاة، أو لبعض أنواع المحاكم اختصاص تشريعي أو اختصاص تنفيذي. الخ. . هذا كله متروك للأصلح من تجارب البشرية، وللآراء المتجددة حسب الظروف المتجددة، في كل مكان وفي كل زمان. .