الصفحة 55 من 59

وإن الإسلام مثلا يجعل الشورى أساسًا من أسس الحكم في الدولة الإسلامية. . فأما كيف تتحقق الشورى على الوجه الأمثل فهذا ما لم ينص عليه، ولقد وقعت في المجتمع الإسلامي على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وبعده في مسألة الخلاف وغيرها ألوان من الشورى، ولكن هذا الذي وقع لا يحدد جميع وسائل الشورى، بل إن ذلك متروك لما يجد من تطورات في جسم المجتمع الإسلامي، وفي ظروفه، ومتروك كذلك لما يبتكر من وسائل الشورى الناجحة حسب التجارب المتجددة، فهل تتم الشورى على الوجه الأمثل بالتصويت العام - في كل الشؤون أم في بعضها؟ - أم تتم بتصويت أهل الحل والعقد من ممثلي الأمة الذين لا يختلف عليهم؟ أم تتم بواسطة ممثلين للنقابات والجامعات والطوائف المختلفة؟ وهل تتم بالتصويت الشفهي أم الكتابي؟ وهل تتم بمسؤولية الوزراء أمام الحاكم الأعلى المنتخب أم بمسؤليته أمام الهيئة الممثلة للشعب؟ وهل تتم بمجلس واجد أم بمجلسين؟. . الخ. . كل ذلك متروك لظروف كل أمة وزمانها ومكانها، وللتجارب البشرية التي تحقق الشورى على الوجه الأمثل.

وهكذا قضايا كثيرة، مما لم يرد فيه نص يحدد طريقة التنفيذ ووسيلة التطبيق، مما يحقق المرونة الكاملة للنظام الإسلامي، مع بقائه محكومًا بالشريعة التي تكيف بها نشأته ووجوده.

ثم نعود إلى استعراض بعض الآثار التي تركتها تلك الخاصية الكبيرة في نظام المجتمع الإسلامي. .

قلنا إن هذا النظام بسبب انبثاقه من العقيدة الإسلامية، وتكييف وجوده بالشريعة المستمدة منها، شديد الارتباط بتلك العقيدة، والواقع أن العقيدة الإسلامية واضحة الأثر في كل جزئيات النظام الإسلامي؛ ما قرب من هذه العقيدة في الظاهر كالعبادات والأخلاق؛ وما بعُد عنها في الظاهر كالمعاملات المالية، والارتباطات الاقتصادية، والعلاقات السياسية، داخلية أو دولية، بحيث يصعب إدراك طبيعة أي جانب من هذه الجوانب المتعددة، وفهمها فهمًا حقيقيًا، بدون دراسة العقيدة الإسلامية، وفكرة الإسلام عن الكون والحياة والإنسان؛ ثم الربط بين هذه الفكرة الكلية، وبين أي جانب من جوانب الحياة في الإسلام، فردية كانت أو عائلية أو جماعية أو دولية.

إن عقيدة التوحيد - بكل إشعاعاتها - تسيطر وتؤثر في مقومات النظام الإجتماعي الإسلامي، توحيد الله المطلق بلا شبهة من شرك أو تعدد، وتوحيد إرادة الله في الخلق والحفظ والضبط والحساب، وتوحيد الوجود الحادث عن توجه الإرادة الواحدة، وتوحيد الحياة في مصدرها وطبيعتها ومقوماتها، وتوحيد البشرية في مصدرها وأصلها ونشأتها، وفي أجيالها وأهدافها ومصائرها، وتوحيد الدين على أيدي أمة الرسل - وهم أمة واحدة - وتوحيد الأمة المؤمنة وهي تشمل كل من آمنوا برسول من رسل الله قبل أن يُرسَل أخوه بعده من لدُن آدم إلى خاتم المرسلين، وتوحيد الطبيعة البشرية في اعتبارها وتوجيهها، وتوحيد العقيدة، والعمل والعبادة والسلوك، وتوحيد الدنيا والآخرة في التوجه إلى الله [1] .

عقيدة التوحيد هذه - بكل إشعاعاتها - تسيطر سيطرة تامة على كل جوانب النظام الإجتماعي الإسلامي؛ وتحدد كل مقوماته وخصائصه الأخرى؛ وتفسر كثيرًا من المشاعر والآداب والأخلاق والمعاملات، والحقوق والواجبات، والعلاقات والارتباطات في هذا النظام، وفي كل صورها وأشكالها.

وسيتكشف لنا صدق هذه الحقيقة الواقعة، كلما مضينا في دراسة خصائص المجتمع الإسلامس ومقوماته، وفي استعراض القواعد الشعورية القانونية التي تتحقق بها هذه المقومات والخصائص، فأما الآن فنكتفي بتتبع بعض آثار عقيدة التوحيد الإسلامية في تحقيق خصيصة الربانية في النظام الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت