ومع أن عقيدة التوحيد هي القاعدة التي تقوم عليها كل الديانات السماوية، فإن لها في الإسلام مدلولا أوسع وأشمل من مدلولها في كل عقيدة، كل عقائد التوحيد أصلا تتفق في وحدانية الله سبحانه وتعالى، ولكن الإسلام يضيف إلى توحيد الله آثاره الطبيعية في توحيد خلقه، وتوحيد نشاط خلقه كذلك.
ويتضح هذا المعنى حين توازن بين الإسلام واليهودية مثلا، فتراهما يتفقان على توحيد الله، ثم يمضي الإسلام إلى اعتبار بقية إشعاعات التوحيد التي أسلفناها، بينما اليهودية تقف عند حدود قومية محلية في بني إسرائيل، لا تتعداهم إلى توحيد البشرية في المخاطبة بالرسالة:"فَاتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى" [2] "وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ، حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ" [3] . .
ولا بد أن يترتب على كلتا النظرية آثارها في النظام الذي يقوم عليها: مبادئه وتشريعاته وتطبيقاته، ولندع اليهود بعد ذلك من أسطورة"الشعب المختار"ومن قولهم الذي حكاه القرآن عنهم:"قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ". . وما ترتب على هذه الانحرافات من آثار أخرى في علاقاتهم بالبشر، وفي طرائقهم في الحياة. .
ويتضح ذلك المعنى كذلك حين توازن بين الإسلام والمسيحية، فتراهما يتفقان على توحيد الله - مع غض النظر عن الانحرافات التي وقعت بعد ذلك نتيجة لدخول الرومان الوثنيين في المسيحية، وخلط وحدانيتها بوثنيتهم، وما نشأ عن هذا الخلط من أوهام وأساطير - ثم نرى الإسلام يمضي إلى اعتبار سائر إشعاعات التوحيد، بينما المسيحية تقف كذلك عند الحدود القومية لبني إسرائيل:"وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ. . . الخ" [4] فإذا تجاوزنا عن هذه السمة واعتبرنا الواقع التاريخي للمسيحية، من كونها تحولت إلى دعوة عامة، مخالفة في ذلك طبيعتها ومهمتها، من أنها جاءت لبني إسرائيل خاصة، ولفترة من الزمان موقوتة بظهور الرسالة التالية، وذلك بحكم تدخل عوامل سياسية خارجة عن طبيعة المسيحية، عندما تنصرت الدولة الرومانية ففرضت المسيحية فرضًا، وبحد السيف على رعايا الامبراطورية الرومانية. . إذا تجاوزنا سمة القومية المحلية، فإننا نطلع على فارق آخر بين مدلول التوحيد الشامل في الإسلام ومدلول التوحيد الضيق في المسيحية عند النظر إلى الطبيعة البشرية، إذ تفصل المسيحية بين جسد الإنسان وروحه، وتميل إلى
كبت الطاقات الحيوية إطلاقًا للطاقات الروحية، مما انتهى بالمسيحيين إلى نظام الرهبانية، التي لم تكتب عليهم، وإنما ابتدعوها ابتغاء رضوان الله، بينما يوحد الإسلام الطاقات البشرية جميعًا، فيجعل كل نشاط للإنسان عبادة، سواء في ذلك العبادة المفروضة والعمل والمتاع، متى توجه الإنسان بنشاطه في أي حقل من هذه الحقول إلى الله.