ونعود بعد هذا الإيضاح إلى تتبع بعض آثار عقيدة التوحيد الإسلامية في تحقيق خصيصة الربانية في النظام الإسلامي. . أول هذه الآثار هو توحيد المتجه، الذي يتوجه إليه الفرد والجماعة، الحاكم والمحكوم، العامل وصاحب العمل، المنتج والمستهلك، المعطي والآخذ. . توحيد المتجه الذي يتوجه إليه هؤلاء جميعًا بنشاطهم العملي وإنتاجهم المادي، كما يتوجهون إليه بمشاعرهم ووجدانهم سواء بسواء. . هذا المتجة الواحد هو عبادة الله ابتغاء مرضاة الله:"وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" [5] "قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ". . . وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذِّكْر، والرجل يُرى، فمن في سبيل الله؟ قال صلى الله عليه وسلم:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا في سبيل الله" [6] .
ونقف لحظة عند النص الأول من هذه النصوص، لأن إيضاجه ذو أثر عميق في إيضاح جانب من فكرة الإسلام الكلية من الحياة، فما معنى العبادة المقصودة في الآية:"وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ"؟ يبدو لي جليًا أن المراد هو رسم غاية عليا للحياة، هو التوجية بكل نشاط فيها إلى الله، سواء كان هذا النشاط شعيرة تعبدية، أم نية، أم عملا من أي نوع، أي التوجه بها إلى هدف أعلى من الأرض وأوسع مدى، أعلى من الحاجات البشرية القريبة، ومن شأن هذا التوجه بكل نشاط إلى الله، تطهير الحياة، ورفعها، ومنحها معنى أسمى من معنى اللحم والدم ومقتضياتها القريبة أو البعيدة، وليس الغرض أن تقضى الحياة كلها في شعائر تعبدية، فالإسلام يجعل كل نشاط يتوجه به الإنسان إلى الله عبادة - كما أسلفنا - ولو كان هذا النشاط هو الاستمتاع بطيبات الحياة التي أحلها الله، بنية أن هذا المتاع تحقيق لإرادة الله في حل الاستمتاع بالطيبات، ومن هنا يجيء توحيد الطاقة البشرية، وتوجيهها كلها إلى الله.
توحيد الاتجاه، وتوحيد المتجه إليه من الأفراد والجماعات في المجتمع الإسلامي، في كل شأن، ومراقبة الله في كل قول أو فعل، يترك آثاره في طبيعة هذا المتجتمع، ونوع الروابط الي تقوم بين وحداته، لأنها كلها تتجه إلى أفق أعلى من مصالح الناس كما يرونها لو خلي بينهم وبين تصوراتهم الذاتية للمصلحة، ولكن العقيدة في الله تجعل تصورهم للمصالح مستمدًا مما ترسمه لهم شريعته، فتتكيف طبيعة العلاقات بينهم بحسب هذا التصور، ولا تتفرد العوامل الاقتصادية وحدها بتكيف هذه العلاقات، بل إن هذه العوامل الاقتصادية ذاتها لتتكيف وفق ما أرادته شريعة الله لها في المجتمع الإسلامي، وفق إيحاءات العقيدة في الله، وإشعاعاتها في العلاقات الإنسانية كافة.
والإسلام يربط بين العقيدة والنظم والتشريعات التي يطلب إلى كل فرد في المجتمع الإسلامي صيانتها ومراعاتها ورد الحاكم والمحكوم اليها، ونضرب على هذا بعض الأمثلة.
فالزكاة وهي ضريبة مالية، تحقق جانبًا من جوانب التكافل الاجتماعي في الإسلام - وهو أوسع مدى من الزكاة وأكبر مدلولا من الحقوق المالية عامة كما سيأتي - هذه الزكاة فريضة دينية، تمثل الركن الثالث من أركان الإسلام، تطلب لمستحقيها باسم الله، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بالعقيدة في الله وفي أنه هو الذي استخلف أصحاب المال في ماله، فحق عليهم أن ينفقوا بأمره وبإذنه من هذا المال:"وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ" [7] . ."وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ" [8] .