الربا - وهو داخل في النظم الاقتصادية والمالية - يحرم ويربط تحريمه بالعقيدة وإشعاعاتها في النظرية المالية في الإسلام:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ" [9]
والحد في السرقة عقوبة تتعلق من ناحية بالنظام الأخلاقي ومن ناحية بالجانب الاقتصادي، وهي مربوطة بالعقيدة في الله، تنفذ عقوبة من الله، لا من المسروقين ولا من المجتمع كله:"وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللّهِ" [10] .
والحد في الزنا عقوبة ذات علاقة بالأخلاق من ناحية وذات علاقة بنظام الأسرة وبالنظام الاقتصادي - في تدليس الأنساب وتوريث الغرباء -، وهي ترتبط بالعقيدة في الله، ولا يذكر بجانبها لا حق الأسرة ولا حقُّ المجتمع، ولكن حق الله:"الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَاخُذْكُم بِهِمَا رَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ" [11] .
وهكذا كلما مضينا مع القواعد التي يقوم عليها النظام الاجتماعي الإسلامي، نجدها مرتبطة بالعقيدة، قائمة عليها، مستمدة منها قوتها وأحقيتها محققة سنة الربانية في النظام الإسلامي.
معنى آخر من معاني الربانية يشتمل عليه النظام الإسلامي، نشير اليه هنا إشارة مجملة، لأنه يتعلق بنظام الحكم في الإسلام (وسنعرض له قريبًا إن شاء الله) .
إن الحاكمية في هذا النظام الرباني الفريد لله وحده، فلا حاكمية فيه لأمير ولا رعية، فالله وحده، هو المشرع ابتداء وعمل البشر هو تطبيق التشريع الإلهي وتنفيذه - وهم حتى فيما يجمعون عليه مما لم يرد فيه نص، يظلون مطبقين للمبادىء الإسلامية، لا مبتدعين ولا مضيفين مبدأ جديد لا أصل له في الشريعة، بله أن يكون مخالفًا لأصل من أصولها - وهم في الأحكام التطبيقية والتنفيذية محكومون بالمبادىء الأساسية التي جاءت بها الشريعة، غير مخيرين في العدول عنها، أي اختيار بعضها دون بعض، أو في تعديلها وتحويرها:"وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ" [12] . ."وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ" [13] . ."وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ" [14] .