الصفحة 59 من 59

والإشارة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في صدد الحكم والتشريع، لا تنفي أن الحاكمية لله وحده دون البشر؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم لا ينطق في هذا عن الهوى:"إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى" [15] أما ما كان يستشير فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، ويمضيه حسب المشورة لا حسب رأيه، فقد كان في الأمور التي لا تتعلق بالتشريع في أية صورة من صوره، ومنه كل ما ينظم أحوال الجماعة، إنما كان يجبيء في الأمور العملية المتعلقة بالخبرة كتأبير النخل واختيار مواضع القتال وخطط مما يتعلق بعلم تجريبي، لا بتشريع ولا بتنظيم اجتماعي يتعلق بالأصول، وفي هذه الدائرة قوله صلى الله عليه وسلم:"أنتم أعلم بأمور دنياكم"لا في المبادىء والأصول المتعلقة بالإنسان في عقيدته أو في نظامه الاجتماعي فليكن هذا المعنى واضحًا تمام الوضوح لأن بعض الممارين يلبسه على الناس ويقتل لهم بالشبهات.

نعم يملك فقهاء الشريعة الإسلامية - وهم ليسوا طائفة معينة كرجال الإكليروس في الكنيسة المسيحية مثلا - إنما هم مَن تفقه في الدين أيًا كانت وظيفته وعمله - يملك الفقهاء أن يختلفوا في فهم النصوص وفي استنباط الأحكام منها، كما يختلف شراح القانون الوضعي - ولكن اختلاف فقهاء الإسلام يظل داخل حدود مرسومة، فهو لا يمكن أن يخرج على المبادىء الأساسية في الشريعة:"فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ" [16] . . وبذلك تظل الحاكمية لله وحده، ويظل المجتمع الإسلامي محكوما وفق شريعته، فإذا انحرف عن هذه القاعدة لم يعد مجتمعًا إسلاميًا، يحمل هذا العنوان الخاص.

وهكذا نجد سمة الربانية تتحقق من توحيد الحاكمية لله. وهذه بدورها راجعة إلى عقيدة التوحيد الاسلامية.

بهذه الربانية انفرد النظام الإسلامي من بين سائر النظم التي عرفتها البشرية، بما فيها النظام"الثيوقراطي"الذي كان الحاكم يتلقى فيه سلطته إما من رجال الدين وإما من الحق الإلهي، بوصفه ظل الله في الأرض! فمعنى الربانية في الإسلام متعلق بالنظام ذاته، لا بالحاكم وسلطة الحكم، فالحاكم في النظام الإسلامي لا يتلقى سلطته من رجال الدين، ولا يدّعيه بحق إلهي له، إنما يستمد حقه في تولي الحكم من البيعة الحرة، كما يستمد طاعته من تنفيذ شريعة الله دون سواها:"اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي ما أقام فيكم كتاب الله تعالى"

وفرق كبير بين هذه القاعدة وقاعدة النظام الثيوقراطي كما عرفته أوربا.

إن الربانية في النظام الإسلامي ربانية شريعة ونظام، لا ربانية أمراء وحكام! وحين يشرع الله تعالى للبشر يشرع بعلم كامل، وبعدل شامل، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير. . .

[1] راجع فصل: طبيعة العدالة الاجتماعية في كتاب:"العدالة الاجتماعية في الإسلام"وفصل: طبيعة الإسلام في كتاب:"السلام العالمي والإسلام"وفصل: القصة في القرآن: في كتاب:"التصوير الفني في القرآن"وتفسير قوله تعالى:"تلك الرسل"في الجزء الثالث من"ظلال القرآن."

[2] سورة طه، آية: 47.

[3] سورة الأعراف آية 104 - 105

[4] آل عمران آية: 49

[5] الذاريات: 56.

[6] متفق عليه.

[7] سورة الحديد، آية، 7.

[8] سورة النور، آية، 23.

[9] سورة البقرة آية: 278 - 279

[10] سورة المائدة، آية، 38

[11] سورة النور، آية: 2

[12] سورة المائدة آية: 9.

[13] المائدة آية: 44

[14] سورة الأحزاب آية 36

[15] سورة النجم آية: 4

[16] سورة النساء آية: 159

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت