الصفحة 23 من 59

ما الذي يعنيه اصطلاح"المجتمع الإسلامي"؟ هل لهذا المجتمع طابع معين؟ وهل يندرج هذا الطابع أو يتفق مع شيء من النظم الاجتماعية الأخرى التي عرفتها البشرية؟

إن هذا البحث كله هو الإجابة المفصلة على هذا السؤال.

ولكني أحب هنا أن أستعجل القول في إجمال، لتقرير بعض الحقائق الأساسية عن طبيعة المجتمع الإسلامي؛ وتجلية بعض الشبهات التي تعرض حتى لبعض الدعاة الإسلاميين، ودحض بعض المفتريات التي يشيعها أعداء الفكرة الإسلامية، أو الجاهلون الذين لا يعرفون عن الإسلام غير القشور.

لقد عرف المجتمع الغربي ألوانًا شتى من النظم: عرف نظام الرق، ونظام الإقطاع والنظام الرأسمالي، والنظام الاشتراكي، والنظام الشيوعي (على الأقل من الناحية الفلسفية التي لم يتم تحقيقها بعد في واقع الحياة) .

فأي واحد من هذه النظم هو النظام الإسلامي؟

إنه ليس واحدًا منها بكل تأكيد، وليس كذلك خليطًا من بعضها، مهما يقع من التشابه أحيانًا بين بعض أوضاعه، وبعض أوضاع نظام أو أكثر من تلك النظم، التي عرفتها البشرية في تاريخها الطويل.

والعلة الرئيسية في تفرد المجتمع الإسلامي بنظامه الخاص هي أنه مجتمع من صنيع شريعة خاصة، جاءت من لدن إله؛ فهذه الشريعة التي وجدت كاملة منذ نشأتها غير مدرجة تدرجًا تاريخيًا. . هذه الشريعة هي التي أوجدت هذا المجتمع؛ وأقامته على أسسه التي أرادها الله لعباده، لا التي أرادها بعض هؤلاء العباد لبعض، وفي ظل هذه الشريعة تم نمو الجماعة الإسلامية، ووجدت ارتباطات العمل والإنتاج والحكم، وقواعد الآداب الفردية والاجتماعية، ومبادىء السلوك، وقوانين التعامل. . وسائر مقومات المجتمع الخاصة، التي تحدد نوعه، وترسم له طريق النمو والتطور.

ذلك على الضد من كل النظم الاجتماعية التي عرفتها أوروبا؛ والتي نشأت نشوءًا ذاتيًا وفق مقتضيات أرضية، وثمرة للصراع الداخلي بين الطبقات وللاحتكاك الطبيعي بين علاقات الإنتاج القائمة وطرق الإنتاج المتجددة، وللمصالح المتعارضة بين التكتلات المتنوعة داخل جسم الجماعة البشرية. . مما يؤثر في طبيعة القوانين وشكل الحكومات، والأفكار الاجتماعية والأخلاقية السائدة. . الخ.

ومن ثم كانت جميع الأحكام والقوانين التي تنطبق على نشأة النظم الاجتماعية الغربية وتطورها غير منطبقة على المجتمع الإسلامي؛ لاختلاف نشأته عن نشأة تلك النظم، ولاختلاف القاعدة التي ترتكن عليها نشأته، ولاختلاف القانون الذي يحكم نموه وتطوره.

إنه ليس المجتمع الإسلامي هو الذي صنع الشريعة؛ إنما الشريعة هي التي صنعت المجتمع الإسلامي هي التي حددت له سماته ومقوماته وهي التي وجهته وطورته، ولم تكن الشريعة مجرد استجابة للحاجات المحلية الموقوتة - كما هو الشأن في التشريعات الأرضية - إنما كانت منهاجًا إلهيا لتطوير البشرية كلها وصياغتها صياغة معينة ودفعها إلى أوضاع يتم بها تحقيق المجتمع الإسلامي المنشود. . وكلما انقضى الزمن وارتفعت درجة المعرفة البشرية كانت أقرب إلى تحقيق ذلك المجتمع المنشود. . وهذه السمات ذات أثر حاسم في تحديد طبيعة المجتمع الإسلامي، وتمييزه عن حميع المجتمعات التي نشأت نشوءًا ذاتيًا، وأنشأت قونينها وفق التغيرات المحدودة التي تنال حياتها يومًا بعد يوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت