عندما نتحدث عن النظام الاجتماعي الإسلامي، فنحن لا تنحدث عن نظام تاريخي عاش في الماضي، وأصبح إحدى ذكريات التاريخ. . . إنما نتحدث عن نظام حي، وننظر في صوره وأوضاعه كما يمكن أن يكون الآن أو في المستقبل.
كذلك نحن لا نتحدث عن هذا النظام بوصفه نظامًا محليًا، في حدود ما يعرف اليوم باسم"العالم الإسلامي"إنما نحن نتحدث عنه بوصفه نظامًا عالميًا، يمكن أن تتجه البشرية كلها اليه يحكم أنه النظام الوحيد، الذي يملك أن يلبي حاجات هذه البشرية في حدود أوسع، وإلى أماد أطول، من كل نظام عرفته الإنسانية حتى هذه اللحظة.
يقول الفيلسوف الانجليزي المعاصر:"برتراند راسل":"لقد انتهى العصر الذي يسود فيه الرجل الأبيض - وبقاء تلك السيادة إلى الأبد ليس قانونًا من قوانين الطبيعة - وأعتقد أن الرجل الأبيض لن يلقى أيامًا رضية كتلك التي لقيها خلال أربعة قرون" [1] .
وهي نبوءة صحيحة على ضوء الوقائع التي تتمخض عنها هذه الأيام، وعلى ضوء التجارب الإنسانية فيما سلف من حضارات وعلى ضوء الحقائق الأساسية للحياة البشرية.
لقد انتهى العصر الذي يسود فيه الرجل الأبيض، لأن حضارة الرجل الأبيض قد استنفدت أغراضها، ولم يعد لديها ما تعطيه للبشرية من مباديء وأفكار تسمح للحياة بنمو جديد، وتطور جديد؛ وكل حضارة إنما تعيش بمقدار ما تملك أن تعطي البشرية من رصيد في إدراك الحياة، وبمقدار ما يسمح هذا الرصيد للحياة بالامتداد والنمو والترقي.
ولقد كانت مباديء الثورة الفرنسية:"الحرية والإخاء والمساواة"هي آخر ما أثمرته حضارة الرجل الأبيض في الغرب، ولم تثمر بعد ذلك شيئًا ذا قيمة في عالم المباديء والمثل والأفكار، ولقد أدت مباديء الثورة الفرنسية دورها في العالم الغربي وانتهت إلى غاياتها التي كانت تعنيها في إبّانها. . .
ولكن هذه الغايات كانت محدودة بفترة معينة من الزمن، وبآفاق محدودة من المدلولات، فلم تعد تلبي اليوم حاجات البشرية، ولم تعد مراميها التي قصدت إليها حينذاك تلبي مفاهيم البشرية لهذه الألفاظ ذاتها في القرن العشرين!.
كان مدلول كلمة الحرية في الثورة الفرنسية هو الحرية الشخصية في كل ميدان من ميادين الحياة! وكان هذا المفهوم يلبي حاجة أوربا في ذلك العصر، لأنه ينقذ الفرد من تحكم الكنيسة في حياته الروحية، ومن تحكم الأشراف في حياته العملية، ومن تحكم الدولة في حرياته القانونية. . . ولكن شيئًا فشيئًا أخذت الحرية المطلقة للأفراد تؤذي المجتمع أو تؤذي طبقات كبيرة في هذا المجتمع، وببروز العهد الرأسمالي بكل مقوماته كثمرة من ثمرات الحرية، تبين أن الحرية الفردية ذاتها قد أصبحت وهمًا لا حقيقة له في عالم الواقع، بل تحولت إلى حرية الاستغلال، استغلال رأس المال للطبقات العاملة؛ ولم يعد بد من نشوء مفهوم جديد لكلمة الحرية غير المفهوم الذي عنَتْه الثورة الفرنسية أو اعتناق مبدأ جديد غير مبدأ الحرية.
وفي كلتا الحالتين يبدو أن هذا المبدأ بمفهومه في الثورة الفرنسية قد استنفد أغراضه، ولم يعد يملك أن يكون مؤثرًا إيجابيًا في حياة البشرية؛ ولقد بهُتَ مدلول هذا المبدأ في فرنسا ذاتها اليوم، فأصبح لا يعني سوى حرية الشهوة الغريزية على النحو الذي تميزت به"الوجودية".