وكان مدلول كلمة المساواة في الثورة الفرنسية هو المساواة في الحقوق السياسية والحقوق القانونية التي تكفل لكل فرد حقوقًا متساوية في الانتخابات وأمام القانون في التقاضي، وكان هذا المفهوم يؤدي للحياة البشرية في أوربا خدمة كبيرة إذ ذاك لأنه يخضع الكنيسة ويخضع الأشراف للمحاكم المادية وللقوانين العادية التي يقف أمامها أفراد الشعب، كما يخضعهم للضرائب العامة، ويقضي على تلك الامتيازات التي كانت تعطي نظام الطبقات معنى كريهًا وصورة تزري بالقيمة الإنسانية للكثرة العظمى من الجماهير. . .
ولكن شيئًا فشيئًا أخذ يبدو أن هذه المساواة القانونية لا يمكن تحقيقها في عالم مادي حين تختل الموازين الاقتصادية، وحين ينقسم الناس إلى ملاك ورأسماليين في جانب، وعمال ضعفاء أمام رأس المال من جانب آخر. فتولد علاقات الانتاج نوعًا من الضغط تتهاوى أمامه تلك الحقوق النظرية التي يكفلها القانون النظري للجميع.
وبذلك يسقط مبدأ المساواة، ويصبح لا بد لتحقيقه في عالم كالعالم الغربي من ضمانات أخرى غير الضمانات القانونية النظرية: ضمانات اقتصاية وعلاقات إنتاج أخرى غير التي كانت تقوم على مبدأ"الحرية". . . ومعنى هذا أن مبدأ"المساواة"حسب مدلوله في الثورة الفرنسية: قد استنفد أغراضه؛ ولم يعد يملك أن يكون مؤثرًا إيجابيًا في حياة البشرية.
وأما مبدأ"الإخاء"فلم يكن له يومًا ما مدلول حقيقي في العالم الغربي، لأنه يحتاج في تحقيقه إلى عنصر آخر غير المادة، يحتاج إلى روح، وإلى ضمير، كما يحتاج إلى فكرة أخرى عن الحياة وعن البشرية غير الفكرة المادية التي تسيطر على أوربا منذ أيام الرومان، والتي لم نستطع المسيحية أن تؤثر فيها تأثيرًا يذكر.
وبذلك ظل مبدأ"الإخاء"منذ اليوم الأول مسألة نظرية، تقال في الخطب وتكتب في الصحف والكتب، ولكن مدلولها العملي بعيد عن واقع الحياة، إذ أن الشعور بالإخوة الإنسانية مسألة أكبر من ثورة محلية، لا تتورع في ذات الوقت عن الغزو والاستعمار لمجرد المغانم المادية والامتيازات الاقتصادية.
إن الشعور بالأخوة الانسانية معناه الخروج من دائرة القومية الضيقة، والعنصرية المتعصبة، وهذا ما لم تحاوله أوربا يومًا. . . وبذلك لم تعد كلمة"الإخاء"أن تكون كلمة براقة في مباديء الثورة الفرنسية.
ثم عقمت أوربا وأمريكا أن تعطي الناس شيئًا جديدًا في هذا الحقل، واتجهت إلى الحقل المادي الصناعي تبدع فيه جديدًا كل يوم.
ولكن البشرية لا تستطيع أن تعيش طويلا على إنتاج المصانع وحده. إنما هي في حاجة ملحة دائمة إلى مباديء وأفكار جديدة، تسمح لها بالنمو والامتداد والتحول والترقي في حدود هذه المباديء والأفكار.
ولقد انتهت الحضارة الأوربية الأمريكية إلى أن تقصر همها على نتاج المصانع، أما في حقل المباديء فإنها ظلت تجتر مباديء الثورة الفرنسية التي فقدت مدلولاتها.