هنا برزت الفكرة الشيوعية أو فكرة التفسير المادي للتاريخ، لأنها تحتل في عالم المباديء مساحة أوسع من المساحة التي انتهت اليها مبديء الثورة الفرنسية في العالم الغربي، وتشغل الجماعات الانسانية بهدف أكبر من الهدف الفردي المحدود، الذي تمثله"الوجودية"في فرنسا مثلا، أو فكرة المنفعة العملية التي تمثلها فلسفة"البراجماتزم"في أمريكا. ذلك أنها الآن تشغل هذه الجماعات بتحقيق هدف عام هو: سيادة طبقة العمال. ومن ثم فهي تعمل حلمًا بشريًا أكبر من حياة الأفراد، وأشمل من شهوات الأفراد ومهما يكن هذا الحلم صغيرًا ومحدودًا بالقياس إلى عظمة الحياة الإنسانية وامتدادها، فهو حلم على أية حال. حلم لم تعد الحضارة الغربية تتضمن مثله بعد أيام الثورة الفرنسية ومن هنا هذا الاندفاع العنيف في صفوف الأوروبيين إلى الشيوعية. حتى من أولئك الذين لا يجدون في معداتهم طعم الجوع، ولا يحسون في جلودهم لذعة العري. ولكنهم آدميون يحسون الخواء المطلق في حضارة الرجل الأبيض، ولا يجدون فيها الغذاء النفسي والفكري الذي لا تقوم بنية الإنسان إلا به.
والانسان هو الإنسان منذ نشأ في حاجة إلى عقيدة تعمُر قلبه. عقيدة تفسر له الحياة وتربط بينه وبينها، وتشغله بما هو أبعد من شخصه وأكبر من ذاته على نحو من الأنحاء. . .
فما أن فرغت حضارة الرجل الأبيض في أوربا وأمريكا من هذا الزاد واستحالت في عالم المادة انتاجًا، وفي عالم الانسان متاعًا، حتى تيقطت في نفسه تلك الجوعة إلى مبدأ عام يربطه بالحياة كلها، وإلى فكرة عامة يكافح لتحقيقها، وتلفت فيما حوله فلم يجد إلا الشيوعية، تلبي في نفسه هذا الحاجة الملحة، وتمثل في الوقت ذاته الخطوة الطبيعية التالية للحضارة الغربية المادية.
والشيوعية هي الامتداد الطبيعي للفكرة المادية عن الحياة، وهي الفكرة التي اعتنقها العالم الغربي منذ قيام حضارته على أساس الحضارة الرومانية المادية، ثم ازدادت حدة منذ أيام"فرنسيس بيكون"إلى الطريقة المادية التجريبية، التي لا تؤمن إلا بما تقع عليه الحواس، أو تثبته تجارب المعمل وهي امتداد لقدرة الحواس.
والاختلاف بين فكرة الشيوعية والأفكار السائدة في الغرب الآن ليس اختلافاُ في طبيعة التفكير، إنما هو اختلاف في مدى التفكير وطريقة التنظيم. فالفكرة المادية عن الحياة واحدة. ولكن الفرق هو بين حرية الاستثمار المطلقة في أمريكا والمقيدة أو المؤممة كما في انجلترا، وبين ملكية الدولة لكل شيء، وانعدام حرية الاستثمار كما في روسيا. . .
أما سيادة طبقة العمال فهي ذلك الحلم الشيوعي الذي لم يتحقق ابعد في روسيا ذاتها، فكل ما تم حتى اليوم هو تحطيم طبقة الملاك، وصيرورة الملكية العامة إلى الدولة، أما طبقة العمال فلا تملك سلطة، ولا تملك شيئًا! إنما هي مسخرة مجندة للعمل في نظير الكفاية من الطعام والشراب والسكنى والكساء. ولا تزال الشيوعية تحمل هذا الحلم الذي يجذب الملايين؛ لأنه بالقياس إلى الخواء الفارغ في الحضارة الغربية: حلم كبير!!.