والدليل على أن الغربيين إنما تسحرهم الشيوعية بهذا الحلم أكثر مما تحقق للأفراد من منفعة ذاتية هو أن الذين يعتنقون الشيوعية في أمريكا ويروجون لها ليسوا في الغالب من طبقة العمال الفقراء، وإنما هم من المثقفين أصحاب الآراء، وهي ظاهرة لفتت نظري هناك، ثم وجدت تفسيرها في أن الغالبية العظمى من الأمريكان لا تجد دافعًا اقتصاديًا حقيقيًا لاعتناق الشيوعية، لأن مستوى الأجور ومستوى الكسب ومستوى الحياة بصفة عامة لا يجعل للشيوعية هناك سحرًا ولا بريقًا، لأنها لا تمنح العامل الأمريكي شيئًا ذا قيمة في حياته بينما تسلبه أشياء كثيرة يعتز بها، ومزايا حقيقية يفقدها.
فأما المثقفون الأمريكان فهم أكثر إحساسًا بالجوع النفسي والفكري وأكثر إحساسًا بخواء الحضارة المادية الغربية من هذا الغذاء الانساني الذي لا يستغني عنه أبدًا ولو أوهم نفسه أنه لا يريد هذا الغذاء.
ولما كان الامريكي والغربي بوجه عام، لا يعرف فكرة أخرى تشغل مكان العقيدة في نفسه إلا فكرة الشيوعية، فهو يندفع اليها بشعور الجائع الهارب من ذلك الخواء الفكري والروحي القاتل الذي يعيش فيه.
فأما حين تتغير الظروف الاقتصادية في أمريكا - كما تغيرت في أوربا - فإن الشيوعية ستندفع بعنف في أمريكا كما اندفعت في أوربا لأن الخواء الروحي ستضاف إليه الضرورات المعيشية دون أن تكون هناك فكرة أخرى تقاوم الفكرة الشيوعية؛ وهذا هو المستقبل الطبيعي للتطور في العالم الغربي كله، والامتداد الطبيعي المتوقع لسيطرة الفكرة المادية على الحضارة الغربية. . .
إن الشيوعية هي النهاية الطبيعية لحضارة خالية من الروح، خاوية من المُثُل، مجردة من الأحلام.
وهذا التغيير منتظر ومتوقع، وأمريكا سائرة اليه بحكم اضطرارها للتسلح الذي يستغرق مبالغ ضخمة تنفق على حساب الرخاء الفردي قطعًا، وبحكم اضطرارها إعانة أوربا. ودفع الأتاوات لها لتبقى في صفها في صورة مشروع مارشال ومن قبله قانون الإعارة والتأجير، وبحكم اضطرارها كذلك للإنفاق على ما تسميه البلاد المتأخرة في صورة النقطة الرابعة من مشروع ترومان. .
وكل هذه المشروعات تستنفذ من الميزانية الأمريكية الشيء الكثير، وإذا كانت هذه الميزانية تنهض اليوم بهذه الأعباء فإنها قد بدأت تعجز فعلا وترهق الاقتصاد الأمريكي بأعباء تؤثر في مستوى المعيشة.
وبذلك يختل التوازن بين قوة الجاذبية الشيوعية وقوة المقاومة الأمريكية، وهو ما ينتظر بين فترة وأخرى، وهو ما يدعو أمريكا لاستعجال الحرب عسى أن تتخلص من عدوتها روسيا، وتخفض بعد ذلك من ميزانية التسلح ومن ميزانية المشروعات الضخمة الخطيرة!
على أية حال. . فإن الشيوعية هي النهاية الطبيعية لحضارة أوربة المادية، والانسان الغربي يجد اليوم في الشيوعية من غذاء العقيدة ما لا يجده في مخلفات حضارته التي استنفذت أغراضها، ولم يعد فيها رصيد من هذا الزاد الضروري لروح الإنسان في كل زمان ومكان.
ورجل مثل"برتراند راسل"يرى أن المستقبل للشيوعية، لا في العالم الذري ولكن كذلك في آسيا فيقول:"إن الروسي هو الرجل الأبيض الوحيد الذي تسنح له الفرصة لنشر نفوذه في آسيا. والشعوب الآسيوية تمقت الاستعمار الأبيض وهم لا يعتقدون أن للكرملين غايات استعمارية لأنهم لم يجربوه بينما رزحوا أجيالا طويلة تحت سلطان الرجل الغربي، وأصبحوا يكرهون تلك التجربة. ولهذا لست أعتقد أن للدول الغربية فرصة في آسيا. ولكن أعتقد أن الهند قد تعيش في توافق مع العالم الغربي، أما في العالم العربي بما فيه مصر والباكستان فستنحاز إلى المعسكر الشيوعي" [2]