الصفحة 9 من 59

ونحن نخالف الفيلسوف في هذا القسم من نبوءته، ذلك إنما تنبع من ضميره الأوربي ومن تجاربه الأوربية ومن جهله بطبيعة الفكرة السائدة في هذا القسم من العالم - أعني الأمة المسلمة التي ذكر منها مصر والباكستان -.

فالشيوعية - كما قلنا - هي الامتداد الطبيعي لفكرة الحضارة الأوروبية المادية، وهي تمتاز على تلك الحضارة بأن فيها حلمًا - مهما تكن طبيعته وقيمته - فإن تلك الحضارة خلو من مثله، وهو حلم الكثرة الغالبة التي لا تجد من حضارة الغرب ما يشغل من نفسها مكان العقيدة، فوق ما تجد من فورق اجتماعية واقتصادية، تحطمها الشيوعية أو تعد بتحطيمها، وإن كانت قد اضطرت إلى إعطاء امتيازات ضخمة لطبقة المهندسين وامتيازات أخرى لرجال الفن الذين يلبون حاجة الدولة. فأما الأمر في الكتلة الإسلامية، فيختلف اختلافًا جوهريًا، ولا سبيل فيه لتطبيق التجارب الأوربية لاختلاف طبيعة الحضارتين، وطبيعة الفكرتين السائدتين واختلاف التاريخ والرواسب النفسية والأفكار والأحلام.

إن الشيوعية بما فيها من حلم مادي يشغل مكان العقيدة في نفس الغربي، وبما فيها من لون من ألوان العدالة الاقتصادية بالقياس إلى الرأسمالية السائدة في العالم الغربي، تصلح أن تلبي حاجات العالم الغربي في هذه الفترة القريبة من حياته، وتصلح أن تلبي حاجات الشعب الصيني أو الشعب الكوري وأمثالهما من الشعوب التي ليست لها مُثُل إنسانية أكبر من المثال الذي تحطمه الشيوعية. . وذلك إلى حين. . أي إلى أن يتم لها الخلاص من قبضة الرأسمالية الاستعمارية، وإلى أن يقع التوازن الاقتصادي في مجتمعاتها المختلفة التوازن. فأما بعد تحقق هذه الأحلام المادية القريبة، والتخلص من ضغط الواقع الاجتماعي السيء، فأغلب الظن أن الروح الإنسانية ستستيقظ لطلب المزيد، لأنها إذ ذاك ستحس الخواء الذي تستشعره النفس الأوروبية اليوم في حضارتها المادية!

وهذا ما نتوقع أن يحدث في روسيا نفسها بعد جيل واحد أو أجيال قليلة. فالشيوعية باعترافها لا تحمل حدًا أبعد من سحق الطبقة البرجوازية. وتسويد طبقة العمال في العالم، وذلك في الوقت الذي تطمس في الروح البشرية كل أحلامها الأخرى، وتقطع كل علاقاتها بالكون والحياة، وتغلق كل منافذها إلى السماء وتحارب الروح الدينية كما تحارب المخدرات!

وما دام الحلم الذي تحمله الشيوعية حدًا أرضيًا واقعيًا محدودًا في عالم الزمان، فإنها ستفقد كل سحرها يوم تحققه، وتفقد قدرتها على قيادة روسيا ذاتها وقيادة العالم الغربي نفسه إلى الأمام - ودعك من الانسانية كلها - وهي لا تستجيب كما قلنا إلا لفكرة أبعد من الواقع، وحلم يلوح على الأفق للتحقيق والرخاء المادي، والحضارة الصناعية: لا يكفيان وحدهما لملء ذلك الفراغ في النفس الإنسانية، بدليل أن مثقفي الأمريكان يندفعون اليوم إلى الشيوعية، وبدليل أن الحضارة الصناعية في ذروتها هناك ولكنها لا تكفي لصد التيار الشيوعي.

وإذن، فلا بد للبشرية - حتى في أرض الحضارة المادية وحتى في معسكر الشيوعية - من فكرة أكبر من فكرة الشيوعية، وأهداف أبعد من أهداف الشيوعية، وحلم يتراءى في الأفق، تهدف البشرية إلى تحقيقه، وبذلك تسير، وبذلك تتقدم، وبذلك تعيش،

إن جوعة الجسد تلح على صاحبها ليسدها أولا، هذا مسلم به، ولكنها بعد أن تهدأ تتحرك في الكائن الإنساني جوعة أخرى لا يسدها الطعام، ولا يرويها الشراب، ولا يكفيها الكساء، ولا تسكنها كل لذائذ الجسم وشهواته، إنها جوعة من نوع آخر لا بد لها من هدف إنساني أكبر من الملذات ومن صلة بالكون أشمل من البيئة، ومن عقيدة في قوة أكبر من البشرية، ومن مستقبل دائم النمو لا يقف عند حد محدود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت