وأخذ هذه النصائح والتعاليم الشيوعية الصحافيون (الأعراب) وصاغوها بأسلوب ثقافي فقالوا: (إن الحرية والديمقراطية ترى أن الدين سبب الطائفية والشقاق) [1] . أرجو أن تكون هذه الأقوال تزيح الداء عن العليل، وتشفي الصدور والغليل. وتتبع ضلالهم أمرٌ يطول، وباب لن يغلق إلى نزول عيسى عليه السلام. (ومن أعظم أسباب تأخر المسلمين: العلم الناقص، والذي هو أشد خطرًا من الجهل البسيط، لأن الجاهل إذا قيض الله له مرشدًا عالمًا أطاعه ولم يتفلسف عليه، فأما صاحب العلم الناقص فهو لا يدري ولا يقتنع بأنه لا يدري، وكما قيل: ابتلاؤكم بمجنون خير من ابتلائكم بنصف مجنون) [2] . وأرجو أن يكون هذا الاستطرد لمناسبة الدفاع عن الصحابة عن أبي هريرة راوية السنة، وأئمتنا الأخيار، وأعلامنا الأبرار قد قام بدوره إن شاء الله ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق. لأن الإعلام يجعل أتفه الناس وأجهل الناس وأحقر الناس بطلًا قوميًا، أصبح ذا حد واحد، لئيما خسيسا ( ... ) . اللهم إنا نشكو إليك غلبة الأعداء، وتفشي الداء، وتحكم الأهواء، وتخاذل العلماء، وظلم الأقوياء، وتكالب الأغنياء، وغرور السفهاء، ونزول البلاء بعد البلاء، وغربة الإسلام وأهله في هذه الفترة القاتمة، وما يتناوبنا فيها من فتن مظلمة ومحن مؤلمة، لا نحن عندها بالبررة الأتقياء ولا ذوي الشكيمة الأقوياء، اللهم اردد لنا الكرة على أعدائك، ووفقنا إلى موجبات نصرك، وأنزل علينا سكينتك، وامددنا بعونك وتأييدك، واجعلنا أكثر نفيرًا، اللهم أقل عثرات المسلمين من عبادك، تحقيقًا لآمالنا في إعلاء كلمتك، وقبل أن نرى فينا غضبك لانتصار الباطل على الحق، وتغلب الجور على العدالة، يا من وعده الحق وله دعوة الحق وهو شديد المحال، اللهم ومن أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله في نفسه، واردد كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واشدد عليه وطأتَكَ واقدر له أسوأ المصائر. أطلق سراح شيخي وزوجي وسائر المظلومين آمين يا رب العلمين.
وقبل أن نضع القلم، أحب أن أقول كلمة مختصرة عن هذه الأرجوزة التي خرجت من السجن المحلي بتطوان. فقد اختصر فيها شيخنا فوائد فأفاد، وقواعد فأجاد، (بأسلوب رشيق، ومعنىً أنيق، على وجه منيف، وبيان لطيف) وطريق وجيز، من غير تطويل ممل، ولا اختصار زائد مخل، تسهيلًا على المبتدئين، وعونًا على شحذ الهمة، ودفع الذاكرة إلى الأمام، حتى تكون هذه القواعد محررة ومرتبة ومنسقه وميسورة ومنتشرة بين الطلبة، وأن لا تكون محصورة في أشخاص معدودين تموت بموتهم. فيصدق عليها ما قاله عمر بن عبد العزيز: (فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًا) قدمها لنا شيخنا في صورة خواطر وشجون فاضت بها قريحة المسجون من وراء القضبان في عزلة تامة، وحراسة مستمرة، بعيدًا عن كتب تفسير القرآن وعلومه، وكتب الحديث ومصطلحه، والفقه وأصوله، والنحو وما أشبه ذلك مما له علاقة بقواعد التفسير. وصدق شيخنا في قوله:
فِي خلوة أنت اسْتَفِد لاَ تحزنَنْ ... من جَلْوةٍ أَنْت ابتعِد لا تطلبَنْ
وهو القائل في قصيدة من بحر الوافر:
أُكَابِدُ فِي العُلُومِ صبَابَةً فَلَهَا ... لَدَيَّ محبةٌ وَلَدَيَّ خَالصُها
بناظمة مؤصَّلةٍ قواعِدُهَا ... أُبينُ طريقةً وضَحَتْ معالِمُها
على أُسُسِ العلُوم غَدَتْ مُؤسَّسةً ... مُبَاركةً وَمِنْ ذَهَبٍ سَبائِكُهَا
مُفَسّرَةً لآي إِلَهِنَا طَهُرَتْ ... مَوارِدهَا مُكَرَّمةً مَصَادِرُهَا
تُعينُ على مُدَارسَةٍ مُصرفها ... وحفظِ عِبادةٍ وتفيدُ عَارفَهَا
تَباركَ رَبُّنَا وتكاملتْ نِعَمُهْ ... تقدَّس من أَبانَ لنا منافِعَهَا
(1) - انتهى من (إرشاد السالك) (ص:23/ 24/25)
(2) - انظر: (لماذا تأخر المسلمون) ص75)، (وإرشاد السالك) (ص65/ 66)