أما بعد: فَمِمَّا لا يخفى على من شمَّ رائحة العلم الشرعي ولو من بعيد أن فائدة النظم أفضل بكثير من فائدة النثر. وهو آلة علمية قوية ومفيدة للطالب يسبر به معاني العلوم الشرعية، والنظم بَحْرٌ زاخر خاض في لججه شيوخنا الأوائل والأواخر من أهل الكتابة والخطابة، ومهرة البراعة واليراعة، وأهل المغاصات الغامصة، والأذهان السائلة، والأقلام السيالة، الذين لا يحبون فضلات الكلام، ولا نزوات الأقلام، وليس وراء أقلامهم وراء يعلم هذا من له أدنى تمييز بعد استقراء وتتبع كتبهم بعين الإنصاف وزانها بميزان علم السلف،
ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة ... بين الرجال ولو كانوا ذوي رحم
إي وربي إنهم بنوا لنا قواعد غزيرة، وفوائد عزيزة، وفرائدة جميلة، وشرائد جليلة، ودقائق علمية لطيفة، وجواهر ولآلئَ وَدُررًا ثمينة، كانت مدفونة في خِضَمِّ الأمهات، ومبعثرة هنا وهناك في بطون البنات، (لا فُضَّ فُوهُمْ، ولا سعد من يجفوهم) . أجادوا وأفادوا، نصوص بينة، وفصوص غالية، ومباحث عالية، وأدلة نيرة، وبراهين سامية، علم وعمل (ومن لغا فلا جمعة له) . بنوا فأحكموا، وهدموا البِدَعَ فحطموا، وقالوا وأصَّلوا، وعملوا وأخلصوا، وأَلَّفُوا ووُفِّقُوا، وحققوا ودققوا، وجرحوا وعدلوا، وصححوا وعَلّلُوا، واستدركوا وأفادوا، وانتقدوا وأجادوا، وسددوا وبعبارة: (فكل الصيد في جوف الفرا) أُعطوا ذكاءً وزكاءً، نصروا وكسروا، من غير رشقٍ بالأسنة، ولا مشقٍ بالألسنة، ولا تمزيق الأديم، ولا مضع اللحوم، لا تفاصح، ولا جعجعة، ولا قعقعة، ولا ضجيج يصم الآذان، ولا تفاضح باسم التناصح بمساعدة من الشيطان، ولا إليكَ إليك.
وَالشَّمسُ في صَادِعِ أنوارهَا ... غنية عن صفة الواصف
عليهم فَلْيَبْكِ العلم وأهلُه. فهم كما قال الإمام أحمد عن شيخه الشافعي: (كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فهل لهذين من خلفٍ؟ أوْ مِنْهما من عوض؟) و (الحر من راعى وداد لحظة، وانتمى لمن أفاده لفظة) . وأبو الإفادة أقوى من أبي الولادة.
صُحْبَةُ يومٍ نَسَبٌ قَرِيب ... وذمّة يَعْرِفها اللبِيب
ولله در عثمان رضي الله عنه القائل: (فإن المعرفة بالناس بها يصاب العدل) . وصدق الحافظ السخاوي حين قال: (إنما الناس بشيوخهم، فإذا ذهب الشيوخ فمع من العيش؟) [1] لأن العلم رَحِمٌ بين أهله. ورضاع أدبي. فهذا النووي جعل العلم مثل الرضاع الشرعي حيث يقول في (مجموعه) وهو يترجم للإمام أبي العباس بن سريج: (وهو أحد أجدادنا في سلسلة الفقه) ويقول في مقدمة (تهذيبه) : (إنهم أئمتنا وأسلافنا كالوالدين) . وفي الصحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( .. إنما أنا لكم مثل الوالد لولده- وفي لفظ آخر: بمنزلة الْوَالِدِ أُعلمكم) ، فبين الشيخ والتلميذ أُبوة علمية ولهذا صدق من قال:
أُفَضِّلُ أُسْتَاذي على فضل والِدِي ... وَإن نالني من والدي المجد والشرف
فهذا مُربي الروحِ والروحُ جَوْهَرٌ ... وذاكَ مربي الجسمِ والجسمُ كالصَّدَف
(1) - انظر: (فتح المغيث) (2/ 320) .