الصفحة 3 من 87

ولذا تعظم المصيبة بفقدهم، وتَعُم الرزية بموتهم. قال ابن مسعود: (موت العالم ثُلْمَةٌ [1] في الإسلام، لا يسدها شيء ما طرد الليل والنهار) [2] . وروي مرفوعا بلفظ: (إذا مات العالم انثلم في الإسلام ثُلمة، لا يسدُّها شيء إلى يوم القيامة) [3] قال حماد بن زيد: (كان أيوب يبلغه موت الفتى من أصحاب الحديث فيُرى ذلك فيه، ويبلغه موت الرجل يذكر بعبادة فما يرى ذلك فيه) . وقال أيوب: (إِنِّي أُخْبَرُ بموت الرجل من أهل السنة فكَأَنِّي أفقد بعض أعضائي) . وقال أيضًا: (إن الذين يتمنون موت أهل السنة يريدون أن يطْفِئُوا نور الله بأفواههم، والله متم نوره ولو كره الكافرون) . ولما مات زيد بن ثابت قال ابن عباس رضي الله عنهما: (يا هؤلاء من سره أن يعلم كيف ذهب العلم، فهكذا ذهاب العلم، وأيم الله لقد ذهب اليوم علمٌ كثير، يموت الرجل الذي يعلم الشيء لا يعلمه غيره، فيذهب ما كان معه -ويشير إلى قبر زيد ويقول:- لقد دفن اليوم علمٌ كثير) وقال أيضًا: (أَتَدرون ما ذهاب العلم؟ قلنا: لا، قال: ذهاب العلماء ولا يزال عالمٌ يموت، وأثر للحق يَدْرس حتى يكثر أهل الجهل وقد ذهب أهل العلم فيعْملون بالجهل ويدينون بغير الحق ويَضِلون عن سواء السبيل) [4] . قال هلال بن خباب: سألت سعيد بن جبير قلت: (يا أبا عبد الله ما علامة هلاك الناس؟ قال: إذا هلك علماؤهم) [5] . ولذا عظمت المصيبة بفقدهم، وعمت الرزية بموتهم

تعلّم ما الرزية فَقْدُ مَالٍ ... ولا شاة تموت ولا بعير

ولكن الرزية فَقْدُ حُرٍّ ... يموت بموته بشر كثير

وأرثى بيت قالته العرب. بيت عبدةَ بن الطيب:

فما كان قيسٌ هلكُه هلكَ واحِدٍ ... ولكنه بنيانُ قَومٍ تَهَدَّمَا [6]

قال الثوري: (مات الحديث بموت شعبة) [7] . وشعبة هو القائل: (كل من سمعت منه حدثنا فأنا له عبد) [8] وقال يحيى بن جعفر البِيكَنْدي: (لَوْ قَدَرْتُ أن أزيِدَ من عُمُري في عمُر محمد بن إسماعيل لفعلت، فإن موتي يكون موت رجل واحد، وموت محمد بن إسماعيل فيه ذهاب العلم، وكان يقول له: لولا أنت ما استطعت العيش ببخارى) [9] . وكتب أهل بغداد إلى محمد بن إسماعيل كتابًا فيه:

المسلمون بخير ما بقيت لهم ... وليس بعدك خير حين تُفْتَقَدُ

وقال آخر:

منْ شَاءَ بَعْدَكَ فَلْيَمُتْ ... فعليكَ كُنت أُحَاذِرُ

كَنْتَ السَّوَادَ لِنَاظِري ... فَعَمِيْ عَلَيْكَ النَّاظِرُ

لَيْتَ الْمنَازِلَ والدّ ... يَارَ حَفَائرٌ وَمَقَابِرُ

إِنِّي وغَيْرِي لا مَحَا ... لَةَ حَيْثُ صِرْتَ لَصَائِر

(1) - الثلمة: الكسر والخلل في الحائط واستعير لغيره.

(2) - انظر: (شرح السنة) (1/ 317)

(3) - [موسوعة الأحاديث والآثار الضعيفة والموضوعة] (569/رقم1993) [لا يصح] .

(4) - رواه الدارمي في (مسنده) (1/ 78) . وابن عبد البر في (جامع بيان العلم وفضله) . (1/ 595/603) .

(5) - رواه الدارمي (1/ 78) .

(6) - انظر: (الأغاني) (21/ 31) .

(7) - انظر: (كوثر المعاني) (1/ 454) .

(8) - أخرجه أبو نعيم في (الحلية) (8/ 15) . والخطيب نحوه في (الجامع/ص318/ 319) . من طريقين عن شعبة به. و (جامع بيان العلم وفضله) (1/ 512) .

(9) - انظر: (كوثر المعاني 1/ 95) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت