ومن نماذجها في مجال السنة المطهرة: ما رواه عبد الله بن عباس ?رضي الله عنهما- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) [1] . فهذا الحديث يمثل ضابطًا فقهيًا في موضوعه، يغطي بابًا مخصوصًا.
وفي معناه: ما رُوي عن إبراهيم النخعي (96هـ) قوله: (كل شيءٍ منع الجلد من الفساد فهو دباغ) [2] . وفي رواية أخرى أنه قال: (مَا أصلحت به الجلد من شيء يمنعه من الفساد فهو له دباغ) .
ومن باب الضوابط: ما رُوي عن مجاهد أنه قال: (كل شيء خرج من الأرض قلَّ أو كثر مما سقت السماء، أو سقي بالعيون؛ ففيه العشر) [3] .
ومن هذا القبيل: ما شاع عن المتأخرين قولهم: (إن كل ماء لم يتغير أحد أوصافه طهور) [4] . أو: (كل ماء مطلق لم يتغير فهو طهور) [5] .
وقال العلامة القدوري [6] : (كل ما أمكن ضبط صفته ومعرفة مقداره؛ جاز السَّلَم فيه، وما لا يمكن ضبط صفته ولا يعرف مقداره؛ لا يجوز السلم فيه) [7] . وهذا أيضًا ضابط مهم في موضوعه.
فإطلاق (القاعدة) على الضابط أمر شائع مصدّر في المصادر الفقهية وكتب القواعد كما سبقت الإشارة إلى ذلك آنفًا، مثال ذلك ما جاء في قواعد الإمام ابن رجب الحنبلي تحت عنوان: (القاعدة) : (شعر الحيوان في حكم المنفصل عنه لا في حكم المتصل) [8] . وهكذا تناول بعض الضوابط الأخرى تحت عنوان: (القواعد) في سائر كتابه. وكذلك العلامة الكبري في كتابه (الاستغناء في الفروق والاستثناء) . أما تاج الدين السبكي فيذكر الضوابط تحت عنوان: (القواعد الخاصة) [9] ، فمعظمها ضوابط فقهية، ويعبر عما هو أعم من الضابط بعنوان: (القاعدة العامة) .
••فروق للتمييز بين القاعدةوالضابط:
ففي ضوء هذه النصوص المذكورة يمكن أن نستخلص النتائج التالية:
1 -يبدو من خلال التعريفات المذكورة أنه لا يوجد هناك اتفاق بين القواعد والضوابط، فإن القواعد هي أعم وأشمل من الضوابط من حيث جمع الفروع وشمول المعاني.
2 -تطور مفهوم الضابط تطورًا ملحوظًا، ومن ثم لم يلاحظ البعض الفرق والدقة بين القاعدة والضابط، ولم يتبين هنا في مجموعة التعريفات حد فاصل أو قاطع بين القاعدة والضابط، لكن أحسن الأقوال ما ذهب إليه أكثرهم؛ مثل السبكي والسيوطي وابن نجيم وغيرهم.
3 -إن القواعد أكثر شذوذًا من الضوابط، لأن الضوابط تضبط موضوعًا واحدًا فلا يُتسامح فيها بشذوذٍ كثير.
(1) -رواه أحمد (1/ 219) ومسلم (366) والترمذي (5/ 399/400/ رقم: 1782) كتاب اللباس، باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت) انظر (نيل الأوطار 1 - كتاب الطهارة رقم 21 - باب ما جاء في تطهير الدباغ -22باب .. 23 .. باب .. رقم 55/إلى60/ ص75/ 78 النيل)
(2) - انظر: كتاب الآثار لأبي يوسف تحقيق وتعليق أبي الوفاء. الأفغاني (ص232) .
(3) - (كتاب الأموال للإمام القاسم بن سلام(ص674) تحقيق: خليل هراس).
(4) - (الإسعاف بالطلب مختصر شرح المنهج المنتخب ص20)
(5) - (الاستغناء في الفروق والاستثناء. مخطوط و: 2الوجه الأول)
(6) - انظر: ترجمته في (قواعدالتفسير) للندوي (ص49) .
(7) - في باب السَّلم فيه، من كتاب: (اللباب في شرح الكتاب 2/ 45) .
(8) - (قواعد ابن رجب ص4 القاعدة الثانية)
(9) -انظر: القسم الثالث من كتابه (الأشباه والنظائر) تحت عنوان: (القواعد الخاصة) .