نظام الحياة في الإسلام
للشيخ
أبي الأعلى المودودي
الإنسان مدني بالطبع، أي أنه لا بد أن يعيش في جماعة، لأنه لا يستطيع أن يفي باحتياجاته كاملة بمفرده، كما أن الميل الغريزي بين جنسيه يدفع إلى الاجتماع، وهذا من حكمة الله تعالى حتى يتحقق العمران في الأرض وتستمر الحياة يانعة مورقة في الأجيال المتعاقبة حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
ينشأ عن التجمع البشري علاقات متشابكة متداخلة متنوعة لو تركت على سجيتها لتصادمت وتسارعت، ولعمت الفوضى والهرج ولأكل القوي الضعيف، ولسادت شريعة الغاب ولفاتت المقاصد والحكم من وراء اجتماع الناس ولعاد وبالا ونكبة عليهم وعلى العمران وعلى الحياة والأجيال.
من أجل ذلك كان لا بد من تنظيم لحياة الناس يضمن توجيه طاقاتهم وعلاقاتهم في سبيل البناء والتعمير، والترابط والتعاون والتكافل، وتوفير الأمن والعدل وتحصيل أكبر قدر من المصالح والمنافع لكل فرد من أفراد هذا المجتمع، والحيلولة دون وقوع التعارض والصّراع أو على الأقل التقليل منه إلى أقصى حد مستطاع.
وهذا يقتضي بالضرورة تقييد حرية الأفراد بضوابط وقيود تقعدهم عن العدوان بعضهم على بعض، لأن الحرية المطلقة والاجتماع الإنساني عدوّان لدودان لا يمكن أن يتهادنا وما أروع المثل الذي ضربه الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك في حديثه حيث قال:
"مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم أسهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا" [1] .
هذه الضوابط إنما تتمثل في النظم والشرائع التي تحكم حركة الحياة، ونشاط الناس، وتحدد الحقوق والواجبات والصلاحيات والمسئوليات. لقد عرف الناس منذ فجر التاريخ أسسا ثلاثة للاجتماع: اجتماع على أساس الجنس، واجتماع على أساس الأرض (الوطن) . واجتماع على أساس العقيدة. ولا ريب أن الأساس الثالث هو الذي يتناسب مع خصائص الإنسان ومركزه، ذلك لأن العقيدة ثمرة من ثمار الفكر وهو أسمى مميزات الإنسان، بالإضافة إلى أنه الأساس الوحيد الذي يعد من كسب الإنسان واختياره، والحرية أيضًا من أثمن المواهب التي يتمتع بها الإنسان، وكلاهما (الفكر والاختيار) مناط تكليف الإنسان وتكريمه، وهذا مفرق الطريق بين المجتمع الإسلامي وغيره من المجتمعات فقد أسس رسول الله صلى الله عليه وسلم المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة على أساس الإيمان، وآخى فيه بين بلال الحبشي وصهيب الرومي وأبي بكر القرشي وسعد بن معاذ المدني.
إذا كان لا بد للناس من اجتماع، ولا بد للاجتماع من نظام، فمن الحقيقة بوضع هذا النظام؟ وهنا الفارق الثاني بين المجتمع الإسلامي وغيره من المجتمعات، أن الإسلام يجعل التشريع ابتداء حقا خالصا لله تعالى وحده لأنه من خصائص ربوبيته وألوهيته"شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ" [2]
"ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ..." [3] .
"فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا .." [4] .
(1) رواه البخاري.
(2) سورة الشورى 13.
(3) الجاثية: 18.
(4) المائدة: 48.