الشعور الخلقي في الإنسان شعور فطري فطره عليه الخالق تعالى، فيحمله على حب بعض صفات الإنسان وكراهة أخرى. هو، وإن كان متفاوتا وعلى أقدار متنوعة في مختلف أفراد البشر، إلا أن الشعور العام، بقطع النظر عن الأفراد، لا يزال يحكم على بعض السجايا الخلقية بالحسن وعلى بعضها بالقبح في كل زمان. فالصدق والأمانة والعدالة والوفاء بالعهد مثلا. كل ذلك مما عدته الإنسانية من الصفات الخلقية الجديرة بالثناء والمدح في كل دور من الأدوار، ولم يأت على الإنسانية حين من الدهر استحسنت فيه الكذب والظلم والغدر والخيانة. وهكذا أمر المواساة والتراحم والسخاء وسعة الصدر والتسامح، فإن كل ذلك مما لم تنظر إليه الإنسانية إلا بنظر التقدير والإجلال في كل زمن من الأزمان، بخلاف الأثرة وقساوة القلب والبخل وضيق النظر فإن الإنسانية ما عدتها قط في شيء مما يستحق التوقير والإكرام. ثم إن الإنسانية ما زالت تكرم الصبر والأناة والثبات والحلم وعلو الهمة والبسالة وتنظر إليها بعين الإجلال، كما لم تزل تحتقر وتزدري الجزع وقلة الأناة والتلون وخور العزيمة والجبن. وكذلك لم تبرح الإنسانية تعد ضبط النفس والأنفة وحسن الخلق والمؤانسة من مكارم الأخلاق ومحاسنها. أما اتباع الهوى والنذالة وقلة الأدب وسوء الخلق. فلم يكن لها مكان فيما تعده الإنسانية من مكارم الأخلاق. وكذلك لم تزل الإنسانية تجل قدر أداء الواجب وحفظ العهد والنشاط في العمل والشعور بالتبعة. كما أنها لم تنظر قط بعين الاستحسان إلى الذين لا يقومون بواجباتهم ولا يوفون بعهودهم ومواعيدهم ولا ينشطون للعمل والجد ولا يأبهون لما يترتب عليه من التبعات.
هذه الصفات كلها شخصية فردية، أما الشؤون الاجتماعية وحسناتها وسيئاتها وصفاتها الحميدة والذميمة، فما فتئت [1] تنظر إليها الإنسانية بعين واحدة وتزنها بميزان واحد، فما عرفت من بين المجتمعات البشرية مستحقا للإجلال والتوقير إلا المجتمع الذي يتمتع بحسن الإدارة والمناصحة والعدالة الاجتماعية والمساوة بين الناس، ولم تنظر قط بعين الإعجاب والتوقير إلى مجتمع خيمت عليه عناكب التشتت والتفرق والفوضى واضطراب الأحوال وأحاط به من كل جانب التباغض والتنافر والتحاسد والجور [2] والتفاضل بين أفراد البشر.
وكذلك أمر السجايا [3] والطباع، خيرها وشرها، لا يزال على ما كان عليه في كل الأزمان السالفة. فما نظرت الإنسانية إلى أعمال السرقة والزنا والقتل والتلصص والتزوير والارتشاء والبذاءة وإيذاء الناس والغيبة والنميمة والحسد والقذف والإفساد في الأرض بنظر التقديس والتمجيد، كما نظرت إلى بر الوالدين والإحسان إلى ذوي القربى وإكرام الجيران ومناصرة الأصدقاء على الحق والإشراف على حاجات اليتامى والمساكين وعيادة المرضى [4] ومساعدة البؤساء وإعانة المنكوبين. وكذلك ما أنزلت الختال [5] والأشر [6] والمرائي والمنافق واللجوج [7] والشره [8] منزلة الإجلال والاحترام، كما أنزلت عفيف المئزر [9] فكه القول [10] لين العريكة [11] الناصح الأمين.
(1) فما زالت.
(2) الظلم.
(3) الأخلاق.
(4) زيارتهم.
(5) المخادع.
(6) البطر الذي يضع نعمة الله في غير موضعها.
(7) المجادل شديد الخصومة.
(8) الطماع النهم.
(9) كناية عن عدم الزنا.
(10) حسن الأسلوب في الكلام.
(11) سهل الطبيعة.