وجملة القول إن الإنسانية ما اعتبرت قوامها وما عدت خير أهل الأرض وأكرمهم إلا الصادقين في أقوالهم، الذين يوثق بهم ويعتمد عليهم في كل شأن، والذين ظاهرهم وباطنهم سواء وأعمالهم تطابق أقوالهم، الذين يقنعون بحظوظهم وحقوقهم ويتسابقون إلى أداء ما عليهم من الحقوق والواجبات لغيرهم، والذين يعيشون عيشة الأمن والدعة ويأمن غيرهم شرهم لا يرجى منهم إلا الرشد والخير.
فتبين من ذلك أن القواعد الخلقية هي حقائق ثابتة عالمية ما زال جميع أبناء البشر على معرفة بها. فليس الخير والشر مما يخفى على أحد حتى يكون بحاجة إلى البحث عنه إذا أراد معرفته والوقوف عليه، بل إنهما مما عهده ابن آدم منذ أول أمره وقد وهب الله له الشعور بهما وأودعه جبلته [1] التي فطره والشر"بالمنكر"ومراده بذلك أن المعروف ما عرفه الناس ورغبوا فيه واستأنسوا به، وإن المنكر ما أنكره الناس واشمأزوا منه واستنكفوا عنه وفي هذا المعنى نفسه ورد في التنزيل:"أَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا" [2] أي النفس الإنسانية.
وربما يسائل القارئ في هذا المقام فيقول:"إذا لم تزل محاسن الأخلاق ومساوئها معروفة معهودة في العالم ولم يزل أهل هذه المعمورة منذ عمروها على رأي واحد في حسن بعض الصفات وقبح بعضها، فلم هذه النظم الخلقية المختلفة المنبثة في العالم؟ وأي شيء سبب الفرق بينها وميز بعضها من بعض؟ ما الذي نستند إليه في قولنا إن الإسلام له نظام خلقي خاص؟ ثم ما هي المزايا والخصائص التي يمتاز بها نظام الإسلام الخلقي من بين النظم الأخرى والتي كانت، ولا تزال، غرّة في تاريخ المناهج الخلقية ودرّة في تاجها؟".
فإذا تعرضنا للنظم الخلقية المختلفة في العالم لإدراك هذه المسألة، يتراءى لنا في أول وهله أنها تفترق فيما بينها في إدماج مختلف الصفات الخلقية في نظامها الشامل وتعيين حدودها ومكانتها ومواضع استعمالها والتوفيق بينها. ثم إذا دققنا النظر فيها وسبرنا غورها [3] تبين لنا سبب هذا الفرق، وهو أن هذه النظم تختلف في تحديد معيار للحسن والقبح في الأخلاق ووسيلة للعلم يعرف بها الخير من الشر، كما لا تتفق في تقرير القوة المنفذة التي تعمل عملها وراء القانون وتجعله نافذًا في الناس وتعيين الوازع الذي يحمل المرء على اتباع القانون والمواظبة عليه. ثم إذا بحثنا عن أسباب هذا الاختلاف وأعلمنا فيها الفكر والروية، ظهرت لنا الحقيقة واضحة، وهي أن الذي بدد طرق هذه النظم الخلقية جمعاء وأبعد بعضها عن بعض، فإنها تختلف في التصور لهذا الكون ومنزلتها في نظامه الواسع وغاية الحياة الإنسانية فيه. وهذا الاختلاف هو الذي أثر فيها أثره وتولد عنه الاختلاف الأساسي حتى في حقيقتها وطباعها وأوضاعها.
إن المسائل التي يقوم عليها أساس الحياة البشرية وتعيين اتجاهاتها في هذه الحياة الدنيا، هي أنه: هل هناك آلهة لهذا الكون أم لا؟ فإذا كان، فهل هو إله واحد أم معه آلهة أخرى؟ ومن هو الإله الذي نؤمن به من بينها؟ وما هي صفاته التي يتصف بها؟ وما هي العلاقة بيننا وبينه؟ وهل تفضل بإرشادنا ودبر أمر هدايتنا أم لا؟ وهل نحن مسؤولون بين يديه؟ فإن كنا كذلك، فما الذي نحاسب عليه؟ ثم ما هي غاية حياتنا ومآل أمرها الذي نجعله نصب أعيننا ونعمل وفق مقتضياته في هذه الحياة الدنيا؟
(1) فطرته.
(2) سورة الشمس: 8.
(3) تعمقنا في دراسته.