ما هو نظام الإسلام في ما بين العبد وربه؟ وما هي العلاقة بينه وبين سائر النظم في هذه الحياة الدنيا؟ .. هذه مسألة لا بد لنا لفهمها وإدراك معناها أن نكون على خبرة تامة بالفرق بين تصور العلاقة بين العبد وربه في الإسلام وبين تصورها في سائر الأديان والنظم الفلسفية الأخرى. وذلك أن المرء إذا لم يكن على بصيرة من هذا الفرق وأخذ يبحث في هذا الباب، فكثيرًا ما يمر بخاطره ويتطرق إلى فكرته - بقصد وبغير قصد كثير من التصورات والأخيلة التي لصقت في معظم الأحوال بما يسمى اليوم من الأمور الروحانية. فهناك يلتبس عليه الأمر ويتعذر عليه أن يعلم من أي نوع هذا النظام الروحاني الغريب الذي يعدو نفوذه دائرة الروح المألوفة إلى دائرة المادة والجسد ويتدخل في شؤونها، بل يريد الاستيلاء عليها والتصرف في شؤونها.
والفكرة التي ما زالت مسيطرة في حقول الفلسفة والديانات أن الروح والجسد نقيضان لا يجتمعان معًا، فهذا في واد وذاك في واد والذي يقتضيه هذا ويستدعيه غير ما يستدعيه ذاك ويتطلبه. فمن المستحيل إذن رقيهما وازدهارهما جنبًا بجنب. فالجسد والعالم المادي سجن للروح، والعلائق الدنيوية والانغماس في لذائذها ورغباتها هي الأصفاد والأغلال [1] التي تقيد بها الروح البشرية، وكذلك الأمور الدنيوية وطريق الكسب والمعاش في الدنيا هي الحواجز والعقبات التي تقوم في وجه الروح وتعوقها عن التحليق في جو الرقي والتقدم.
فكان من النيجة اللازمة لهذه الفكرة أن تبددت طرق الروحانية والمادية وتفرقت بهما السبل والمناهج. فالذين آثروا المادة وضربوا بسهمهم في الشؤون الدنيوية يئسوا في أول خطوتهم من مسايرة الروحانية ومجاراتها إياهم في هذا المضمار، فانغمسوا في عبودية المادة كل الانغماس وانسلخت مجتمعاتهم ومدنيتهم وسياستهم ومعيشتهم وسائر أركان حياتهم الدنيوية من الروحانية وتجردت من معانيها حتى امتلأت الأرض جورًا [2] وعدوانًا.
والذين آثروا الروحانية وتطلبوها نشدوا لرقي أرواحهم طرقًا ومناهج تجعلهم على الحياد عن الشؤون الدنيوية، وذلك أنه كان من المستحيل في نظرهم أن يوجد لارتقاء الروح طريق يمر من بين الحياة الدنيا وشؤونها الخلابة المتشعبة، وأنهم لم يروا بدا في سبيل ترقية الروح والنهوض بشأنها أن يهملوا أمر الجسد ويتهاونوا في العناية به. ومن أجل ذلك تراهم قد اخترعوا رياضات بدنية شاقة قضت على النفس الإنسانية ورغباتها وتركت الجسد كأنه ليس إلا جثة هامدة لا شعور بها ولا حراك. ومن ثم رأوا أن شعاب الجبال وزوايا الصحارى والكهوف والمغارات هي أوفق الأماكن وأدناها للتربية الروحية فلاذوا بالكهوف والجبال وانزووا إليها نافرين من ضوضاء المعيشة المدنية وأشفقوا على أنفسهم أن تقطع عليهم تبتلهم وانقطاعهم إلى الله. فكلما ازدادوا تفكرا وتأملًا، لم يروا سبيلا إلى نمو الروح وازدهارها إلا أن يتنكبوا عن الدنيا ويتجردوا عن علائقها وأن يقطعوا عن أنفسهم جميع الصلات والأواصر التي تربطهم بشيء من العالم المادي.
(1) القيود.
(2) ظلما.