الصفحة 28 من 34

والأموال المكتسبة بالطرق المباحة يسلم فيها الإسلام للمرء بحقوق الملكية، غير أن هذه الحقوق أيضًا منحصرة في دائرة من الحدود والقيود وبيان ذلك أنه يلزم الرجل أن لا ينفق ما اكتسبه من الأموال بالطرق المشروعة إلا في الطرق المشروعة فقد وضع لهذا الغرض حدودًا للإنفاق بحيث يستطيع المرء أن يعيش عيشة طيبة طاهرة، إلا أنه لا يسعه أن يبذل أمواله في طرق أبواب المجون والخلاعة ولا أن يصرف في إظهار بذخه وترفه حتى يعلو بنفسه فوق بني جلدته [1] وينظر إليه الناس من حوله نظرهم إلى الجبابرة المستكبرين. فهاك صور للإسراف في بذل المال حرمها القانون الإسلامي جهرًا وتصريحًا وصور أخرى، وإن لم يحرمها تصريحًا إلا أنه جعل الخيار فيها للحكومة الإسلامية أن تأخذ بأيدي الناس بحكم القانون وتمنعهم من التصرف الشطط في أموالهم.

والذي فضل عند الرجل من المال بعد ما أنفق في المصارف المباحة الموزونة، فهو بالخيار إما أن يجمعه ويدخره، وإما أن يقلبه في وجوه الكسب والتجارة بقصد الاستزادة والاستكثار. إلا أن الإسلام وضع له حدودًا وقيودًا في كلتا الحالتين. فإن أراد الجمع، فعليه أن يؤدي في كل سنة زكاة ما زاد من ماله عن النصاب. وإن أراد التقليب فلا يجوز له إلا أن يقلبه في الكسب الحلال والتجارة المباحة. ثم هذه التجارة إما أن يقوم بها المرء بنفسه، وإما أن يشارك فيها وفي نفعها وخسرانها أحدًا غيره إذا سلم إليه الأموال والبضاعة على سبيل الشركة سواء أكانت نقودًا أم أرضًا أم أدوات. فإن أصبح المرء في ضمن هذه الحدود والقيود بعد مدة من الزمن ذا ثروة متراكمة، فلا جناح عليه في نظر الإسلام، بل إنما ذلك أنعام من الله أنعم على عبده وأكرمه به. ولكن مع كل ذلك يشترط عليه الإسلام شرطين: الأول أن يؤدي كل عام زكاة أمواله وما أوجبه الله من العشر على الحاصلات الزراعية والثاني أن الذين يعاقدهم على المشاركة أو الاستئجار في التجارة أو الصناعة أو الزراعة، لا بد له أن يعاملهم بالحسنى وينصفهم في معاملته لهم. وإن لم يعاملهم بالعدل والنصفة أجبرته الحكومة الإسلامية وقهرته على ذلك قهرًا.

ثم إن الثروة التي قد تجمعت في ضمن هذه الحدود المباحة لا يرضى بها الإسلام أن تبقى مكنوزة إلى أمد بعيد، بل يقضي بحكم القانون - قانون الإرث - بتوزيها وبثها في كل جيل بعد جيل فاتجاه القانون الإسلامي في هذه المسألة مختلف كل الاختلاف عن اتجاهات القوانين الأخرى في الدنيا. فما ترمي إليه قوانين العالم الأخرى أن الثروة التي اجتمعت مرة من حقها أن تبقى مجتمعة على تعاقب الأجيال. وبعكس ذلك جاء الإسلام بقانون جامع يقضي بأن المال الذي قد جمعه رجل في حياته يوزع بين عشيرته الأقربين بعد وفاته على الفور. فإن لم يكن له أحد من عشيرته الأقربين ورثه ذوو الأرحام والذي يمتون إليه بشيء من صلة النسب على حسب فروضهم وأنصبتهم. وإن لم يكن له أحد من ذوي الأرحام أو من يمت إليه بشيء من صلة النسب، يستحق تركته بيت مال المسلمين أو المجتمع الإسلامي بأجمعه. فهذا القانون - قانون الإرث - لا يسمح لشيء من الأموال المتجمعة أو نظام من النظم الإقطاعية أن يبقى ثابتًا دائمًا بل الحق إنه يقضي على كل فساد قد يتولد من كنز الثروة مع تلك القيود والحدود التي تقدم ذكرها في ما سلف.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

(1) بني جنسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت