النظرية التي يقوم وينهض عليها نظام الإسلام الاجتماعي إنما هي: أن أفراد البشر كافة على ظهر الأرض كلهم من سلالة واحدة بعينها. فالله تعالى لم يخلق في بدء الأمر إلا نفسا واحدة خلق منها زوجها وبث منهما جميع أفراد البشر الذين نراهم اليوم مستعمرين [1] في الأرض قاطنين في مختلف أرجائها. فظلت ذرية هذين الزوجين في أول أمرها أمة واحدة بدين واحد ولغة واحدة ولم يكن بينها شيء من التفاوت والتباعد، ولكنهم كلما تكاثروا وازدادوا عددا، ازداداوا انتشارا في مختلف بقاع الأرض وانقسموا انقساما فطريا بسبب هذا الانتشار إلى شتى الشعوب والأمم والقبائل وتطرق الاختلاف إلى لغاتهم وملابسهم وطرق معيشتهم وأثر جو مختلف مناطق الأرض في ألوانهم وسحنات وجوههم تأثيرا بالغا. فهذه الفوارق كلها فطرية موجودة في عالم المشاهدة وواقع الأمر والحقيقة. فالإسلام يعترف بها حقيقة ثابتة ويقرها ولا يريد القضاء عليها، بل فوق ذلك يقول بأنها تنفعنا في حالتنا الاجتماعية، إذا لا يمكن بيننا التعارف والتعاون إلا بواسطتها ولكنه مع ذلك يرفض كل ما ولدته هذه الفوارق بين الناس من عصبيات السلالة واللون واللغة والنزعات القومية والوطنية وبعدها خطأ وضلالا. فكل فرق بين الرجل على أساس الغنى والفقر والشرف والضعة [2] والرحم والغربة [3] مما سببه اختلاف النسب والأسرة والبيئة يعده الإسلام من باب خرافات الجاهلية وضلالاتها. وإن رسالته إلى كل من يمشي على هذه المعمورة الأرضية من أفراد البشر أن الله خلقكم من ذكر وأنثى وإنكم إخوان فيما بينكم وكلكم سواسية في الحقوق البشرية، لا فضل في ذلك لأحد على آخر.
فهذا هو تصور الإسلام للإنسانية، ومن هنا قوله إنه لا يمكن أن يكون فرق جوهري بين إنسان وإنسان لأجل اختلافهم في النسب واللون والوطن واللغة، بل إنما يتأتى ويظهر هذا الفرق الجوهري بين مختلف أفراد البشر لأجل أفكارهم وأخلاقهم وغاياتهم في الحياة. فالشقيقان مثلا، وإن كانا بوجهة النسب من أب واحد وأم واحدة، يسيران في مضمار الحياة في طريقين مختلفين إذا اختلفا في الفكرة والخلق. وبعكس ذلك نرى رجلين آخرين، قد بعدت بينهما الشقة [4] فأحدهما في الشرق الأدنى والآخر في الغرب الأقصى، يسيران في طريق إذا كان بينهما الاتفاق في الفكرة والتشابه في الخلق.
(1) من الاستعمار بالمعنى اللغوي. وليس المصطلح السياسي.
(2) الدناءة.
(3) قرابة النسب وتباعده.
(4) المسافة والبعد.