الصفحة 18 من 34

فيكون الإسلام على أساس هذه النظرية بإزاء جميع مجتمعات العالم النسلية والوطنية والشعبية، مجتمعا فكريا خلقيا مستندا إلى مبدأ وغاية لا يتحد فيه أفراد البشر على أساس النسل السلالة بل على عقيدة معينة وضابط خلقي بعينه. فكل من آمن بالله ربا ومالكا رَضِيَ بما جاءت به الرسل من الهدى ودين الحق منهجا عمليا لحياته، فقد أصبح جزء من أجزاء هذا المجتمع وفردا من أفراده، سواء عليه أكان من بلاد أفريقية أم أوربا، أم كان ينتسب إلى السلالة السامية أم الآرية، أم كان أسود اللون أو أبيضه، أم كان ينطق بالسينسكريتية أو العربية. فكل من اشترك في هذا المجتمع هم سواسية كأسنان المشط في حقوقهم ومكانتهم الاجتماعية فلا يعتبر بينهم شيء من الفوارق النسلية أو القومية أو الطائفية بل كلهم سواء لا شريف بينهم ولا وضيع، ولا تزدري أعينهم أحدا من أبناء جلدتهم ولا يستنكف أحدهم من الاختلاط بأخيه حذرا من أن يصيبه دنس أو رجس من جراء هذا الاختلاط، وكذلك لا توجد بينهم العقبات والحواجز في شئون زواجهم وأرحامهم ومجالستهم ومخالطتهم ومؤاكلتهم، ولا يكون الرجل فيهم شريفا أو ضعيفا بسبب سلالته التي ينتمي إليها أو المهنة التي يتعاطاها ولا يستبد [1] الرجل فيه بحقوق له مخصوصة دون غيره معتزا بنسب أو مستندا إلى أسرة وطبقة في المجتمع مخصوصة. وكذلك لا يكون الرجل فيهم كريما أو وجيها لأجل أسرته أو ما يملكه من الثروة والمال، بل إنما يكرم الرجل في هذا المجتمع ويشرف إذا تحلى بمكارم الأخلاق وكان أوفر الناس حظا من تقوى الله وخشيته تعالى.

فهذا مجتمع لا يحد بالحدود النسلية واللونية ولا بالحدود الجغرافية، بل من الممكن أن يتجاوزها بحذافيرها ويعم وينتشر في أقطار الأرض وأرجائها جميعا، حتى تقوم على أساسه مؤاخاة بشرية عالمية. أما المجتمعات النسلية [2] والوطنية فلا يمكن الاشتراك فيها إلا للذين ينتمون إلى سلالة مخصوصة أو وطن مخصوص، ويوصد بابها على من دونهم من أبناء البشر إلا أن هذا المجتمع الفكري والخلقي مفتوح بابه لكل من يؤمن بعقيدة واحدة وضابط خلقي معين أن يشارك فيه ويتمتع من الحقوق بما يتمتع به غيره سواء بسواء. ثم إن الذين لا يؤمنون بعقيدته وضابطه، فإنه وإن كان لا ينظر إليهم كأبنائه والمنضوين تحت لوائه، إلا أنه يشملهم بعواطف الإنسانية العامة ولا يقطع عنهم حقوقهم الفطرية البشرية. ومن الظاهر البين الذي لا خفاء فيه أن الشقيقين إذا اختلفا في الفكرة والعقيدة وسارا في طريقين مختلفين في طريق مصمار الحياة، لا يكون من معناه أنه قد انفصمت عروة النسب بينهما. وكذلك إذا انقسمت السلالة الإنسانية أو انقسم سكان قطر من الأقطار إلى طائفتين: طائفة تؤمن بهذه العقيدة والمبادئ وطائفة لا تؤمن بها، فلا ريب أنهم يتفرقون هكذا إلى مجتمعين مختلفين إلا أن الأخوة الإنسانية لا تزال المشتركة بينهما، فعلى أساس هذه الإنسانية المشتركة قد سلم المجتمع الإسلامي بقصارى ما يمكن تصوره من الحقوق البشرية وأعطاها سائر المجتمعات غير الإسلامية.

فإذا أدركت دعائم نظام الإسلام الاجتماعي، فتعال نبحث ونتبصر في الأصول ومناهج العمل التي رسمها الإسلام لمختلف صور التعاون والتكافل البشري.

(1) لا يتفرد.

(2) القومية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت