الصفحة 23 من 34

إن الإسلام أقام حدودا ووضع أصولًا ليقر شؤون الإنسان الاقتصادية على قواعد الحق والصدق والعدالة والأمانة وقضى أن لا يسير نظامها ولا يعمل عمله من دوران الثروة واكتسابها وإنفاقها إلا في ضمن هذه الحدود المرسومة ولا يحيد عنها أبدًا. أما طرق استثمار الثروة وصور دورانها وتداولها، فلا يهتم بها الإسلام أدنى اهتمام، بل يدعها تحدث وتتجدد بكر الزمان ومرور الأيام، فإنها مما يساير المدنية الناشئة المتحولة يوما فيوما ويتشكل ويتعين حسب أحوال الناس وبيئاتهم وما يمسهم من الحاجات في مختلف مراحل الحياة وإنما يريد الإسلام أن لا ترفض هذه الأصول ولا تنتهك هذه الحدود وإن انقلبت شؤون الإنسان الاقتصادية وصيغت في قوالب شتى، بل يجب أن تراعى وتحترم في كل ما تختاره شؤون الإنسان الاقتصادية من الأوضاع والأشكال المختلفة في مختلف الأزمان والأدوار.

ولم يخلق الله الأرض وما فيها من شيء إلا للنوع البشري كما يراه الإسلام. فمن حق كل إنسان من حيث أنه إنسان منذ وجوده أن يحاول اكتساب رزقه والتماس معاشه من مائدة النعم الإلهية المبسوطة بين يديه في الأرض. فهذا الحق يشترك فيه جميع أبناء البشر اشتراكًا سويا كأسنان المشط، لا يحرم أحد التمتع بذلك الحق الفطري ولا يفضل فيه بعضهم على بعض. إن الشريعة الإسلامية لا يحل فيها أن يقيد بعض الأفراد أو البيوتات أو الطبقات حتى لا يكون من حقهم الانتفاع ببعض وسائل الرزق ويوصد دونهم باب بعض الحرف والمهن. وكذلك لا يجوز فيها بحكم القانون أن يقرر من الفوارق والامتيازات ما يجعل بعض الطبقات أو السلالات أو البيوتات مستبدة ببعض وسائل الرزق وطرق المعاش دون عامة الناس. فجميع أبناء البشر يستوون في حق المحاولة لنيل نصيبهم ممن بسط الله على أرضه من وسائل الرزق وطرق المعاش. فينبغي أن تتاح لكل واحد منهم فرص هذه المحاولة أيا كان من بني آدم.

وكل نعمة لا بد في إيجادها وإصلاح شأنها لجهد إنسان وكفاءته يباح لهم جميعا أن يتمتعوا بها وينتفعوا منها بقدر حاجتهم. فماء الأنهار والعيون وحطب الغابة وأثمار الأشجار النابتة في أرض غير مملوكة والأعشاب وسائر نبات الأرض والماء والهواء ووحوش الصحراء والمعادن العامة على ظهر الأرض وغيرها من هذا القبيل لا يجوز الاستبداد بها ولا احتكارها ولا أن يغلق بابها على خلق الله حتى لا يتمكنوا من الانتفاع بها إلا إذا دفعوا عليها الأجرة غير أن الذين يريدون أن يستغلوا قدرًا عظيمًا من هذه الأشياء لأغراض تجارية يجوز للحكومة أن تضع عليهم الضرائب.

وأما ما خلق الله في الأرض من المتاع لمصلحة عامة الناس وانتفاعهم فلا يجوز أن يهمل ويعطل، ولا بد لصاحبه من أمرين: إما أن ينتفع به نفسه وإما أن يذره ليتمتع به غيره فيحتم القانون الإسلامي، بناء على ذلك، أنه لا يجوز لشخص أن يعطل أرضه فوق ثلاث سنوات، وأنه إذا لم يعمرها بالبناء أو الزراعة أو غيرها. فقد صار حكمها بعد ثلاث سنوات حكم الأرض الموات [1] التي إذا انتفع بها غير صاحبها وأحياها لا يحل لصاحبها أن يحاكمه إلى المحكمة، بل الحكومة الإسلامية تكون بالخيار التام في مثل تلك الحال أن تقطع هذه الأرض لمن شاءت دون صاحبها الحقيقي.

(1) البور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت