الصفحة 27 من 34

ويريد الإسلام أن يقيم الفرد والجماعة على قسطاس مستقيم ويجمع بينهما على أساس التعادل الكامل بحيث يُبْقِي حقوق الفرد - من حيث هو فرد - وحريته مصونة لا تضر بالمجتمع، بل تكون نافعة لمصالحه قطعًا. فلا يروق في نظره نظام سياسي أو اقتصادي يهضم حقوق الفرد لمصلحة المجتمع ولا يذر له من الحرية الشخصية ما لا بد منه لتكميل مواهبه الفطرية ومقوماته الفردية. والنتيجة اللازمة من اتخاذ جميع مرافق الحياة ووسائل الإنتاج ملكًا مشاعًا أن يقيد جميع أفراد البلاد بحبائل الضابطة الجماعية من غير انفكاك ولا تحرك فالظاهر أنه من الصعب بل من المستحيل في مثل تلك الحال بقاء فرديتهم ونموها وارتقاؤها. ومن المعلوم أن المحافظة على الفردية تحتاج إلى الحرية الاقتصادية إلى حد عظيم كما تحتاج إلى الحرية السياسية والاجتماعية. وما دمنا لا نريد القضاء على المروءة البشرية، فلا بد أن يبقى في مجتمعنا مجال لكل عبد من عباد الله أن يلتمس معاشه حرًا طليقًا ويرقى قواه الذهنية والخلقية حسب اتجاهاته ورغباته. والحق أن الرزق الرسمي المحدود الذي يمتلك مفاتيحه الأجانب لا تطيب به النفس أبدًا، وإن توفر واتسع قدره ونطاقه، فإن شبع البطن وسمن البدن لا يمكن أن يتلافيا ما يسببه الرزق من التلكؤ والإحجام عن الإقدام والمغامرة، فكما أن الإسلام يكره مثل هذا النظام، كذلك لا ينظر بعين الاستحسان إلى ذلك النظام الاجتماعي الذي يطلق العنان لأفراد المجتمع في الدوائر الاجتماعية والاقتصادية ويترك حبلهم على غاربهم يفعلون ويقترفون ما يشاؤون وتشاء أهواؤهم، حتى يعودوا شرًا على الجماعة وضررًا فادحًا بمصالحها. والطريق الوسط الذي اختاره الإسلام بين هذين الجانبين المتناقضين - جانبي الإفراط والتفريط - أن يقيد الفرد أولًا بجملة من الحدود والتكاليف حفظًا لمصلحة الجماعة، ثم يخلي بينه وبين شؤونه الفردية يعالجها كيفما شاء في ضمن هذه الحدود. وليس المقام مقام تفصيل لهذه الحدود والتكاليف، إلا أنني ذاكر لكم بعض نواحيها المهمة. قاصدًا الإيجاز والإجمال.

فنبدأ باكتساب المعاش والتماس موارد الرزق أولًا، فقد اهتم الإسلام بوسائل اكتساب المعايش وأمعن في التفريق بين الحلال والحرام إمعانًا لم يسبق إليه قانون من قوانين العالم فهو يحرم كل عمل يضر به المرء غيره أو يجلب بسببه ضررًا خلقيًا أو ماديًا على المجتمع بأسره. فقد حرمت الشريعة الإسلامية تحريمًا باتًا الخمر وتعاطي المسكرات وبيعها وشراءها والبغاء ومهنة الرقص والغناء والميسر والقمار وأوراق النصيب والربا والغش وبيع الغرر [1] والطرق التجارية التي لا تضمن النفع اليقيني إلا لأحد الفريقين دون الثاني، وكذلك الاحتكار وما إلى ذلك من الصفقات التي تعود على المجتمع بنوع من أنواع الضرر. وإنك إذا نظرت في قانون الإسلام الاقتصادي من هذه الوجهة وتبصرت فيه، عثرت على فهرس مسهب طويل الذيل لطرق المعاش المحرمة، وإنك لتجد من بينها عين الطرق الذميمة التي يستخدمها الناس اليوم في نظام الرأسمالية ويصيرون من المتمولين الذين يشار إليهم بالبنان. فالإسلام يوصد أبواب جميع هذه الطرق بحكم القانون ويحتم على المرء أن لا يكسب المال والثروة إلا بالطرق التي يسدي بها خدمة حقيقية نافعة لمن سواه من بني آدم، فيحصل بذلك على أجرته بالعدل والنصفة والقسط.

(1) كبيع السمك في الماء قبل صيده أو الطير في الهواء، أو ما شابه ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت