الصفحة 26 من 34

هذا، ولا يكتفي الإسلام بأن تكون المسابقة الاقتصادية في الهيئة الاجتماعية عادلة مفتحا بابها لكل واحد من أفراد البشر بل يقتضي مع ذلك أن يكون المتسابقون في هذه الحلبة متراحمين متواسين متعاونين ولا يكونوا أغلاظًا شدادا لا يواسي أحد منهم صاحبه بالجنب. فالإسلام يريد بجانب أن يرسخ في أذهان الناس بتعاليمه الخلقية فكرة التعاون والتكافل حتى يكون كل مبرز متقدم منهم سندا وظهرا لأخيه المتخلف، وبجانب آخر يقتضي بأن لا يخلو المجتمع أبدا من مؤسسة ثابتة تضمن إعانة العجزة والمستضعفين الذين لا يهتدون لاكتساب المعاش سبيلا حتى ينال كل من لم يستطع أن يضرب بسهه في هذه المسابقة الاقتصادية نصيبه من هذه المؤسسة والذين جار عليهم الزمن وأقعدهم عن استمرار سيرهم، فمن واجبات هذه المؤسسة أن تؤهلهم للمضي في سيرهم. ومن كان به حاجة إلى عون ومساعدة للنزول في ميدان الجد والكفاح، يجد سؤاله من هذه المؤسسة ويبلغ ما يتمناه من المساعدة والمعونة. ولأجل ذلك كتبت الشريعة الإسلامية وقررت بحكم القانون أن يؤخذ في كل سنة اثنان ونصف % من ثروة البلاد المدخرة كافة وكذلك من مجموع مال التجارة زكاة مفروضة، وأن يؤخذ 10 % و5 بالمائة من كل ما أغلته الأراضي العشرية من حبوب وتمار وكذلك أوجبت الشريعة 20 % من حاصلات بعض المعادن وأن تؤخذ أنصبة مفروضة من الأنعام والماشية على حسب اختلاف عددها. وأيضًا فرضت الشريعة أن ينفق كل ما يحصل بهذه الطرق من المال في إسعاف الفقراء والمساكين واليتامى والمعوزين وذوي الحاجة. فهذا تأمين اجتماعي يستحيل معه أن يوجد في المجتمع الإسلامي شخص يعوزه شيء من حاجات الحياة اللازمة. وكذلك من المستحيل عندئذ أن يضطر رجل عامل يكسب رزقه بعرق جبينه خشية الإملاق [1] إلى أن يسلم بكل ما عرض عليه الملاك وأصحاب المصانع من شروط الاستجارة الفادحة. وعلى غرار ذلك لا يمكن أن تنحط قوة فرد من أفراد المجتمع عن ذلك المستوى الأدنى الذي لا بد منه للمساهمة في الكفاح الاقتصادي.

ومن نال شيئًا من خزانة ربه رأسًا وأصلحه وجعله قابلًا للانتفاع والاستعمال بجده واجتهاده، فهو مالكه وصاحبه ومثال ذلك أرض موات [2] لا يقوم لأحد حق الملك فيها، فإذا أخذها المرء في حوزته وأصلح شأنها واستعملها في وجه نافع مثمر، لا يجوز عزله منها واستردادها من يده. فهكذا ابتدأت جميع حقوق الملك في الأرض، على حسب ما يراه الإسلام. فلما استعمر الإنسان هذه الأرض في بدء الأمر، كان كل شيء على وجهها مباحًا عامًا لجميع بني آدم، فمن حاز شيئًا وأصلح شأنه وجعله قابلًا للانتفاع والاستعمال، أصبح صاحبه ومالكه، أي صار من حقه أن يخص استعماله لنفسه دون غيره ويطلب الأجرة ممن أراد استعماله والانتفاع به. فهذا هو الأساس الفطري الذي يقوم عليه بناء جميع شؤون الإنسان الاقتصادية فمن المعقول، إذن، أن يبقى هذا الأساس ثابتًا مأمونًا محترمًا.

(1) الفقر.

(2) بور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت