الصفحة 30 من 34

فالنبوغ من الوجهة الدنيوية والبلوغ إلى أقصى حدود الكمال في مضمارها أصبح معناه أن يكون الرجل متمتعا باللذائذ المادية والنعم الظاهرة الملموسة الزخرفة، وأصبحت غايته أن يتحول الإنسان طائرا جميلا أو سمكا بديعا أو حصانا نبيلا أو ذبا مفترسا بارعا في الفتك والضراوة. هذا في جانب وبجانب آخر أصبح معنى الكمال والنبوغ من الوجهة الروحية أن يمتلك الإنسان جملة من القوى الغريبة التي تخرج عن دائرة الفطرة البشرية وتسمو عليها وأصبحت غايته أن يتحول الإنسان آلة من المذياع أو مجهرا لطيفا أو تصبح نظراته وكلماته مستشفى كامل الأدوات.

والذي يراه الإسلام في هذا الباب مختلف عما تراه النظم الدينية والفلسفية الأخرى في العالم. فهو يقول بأن الروح البشرية قد جعلها الله خليفة له في الأرض وفوض إليها جملة صالحة من حقوق التصرف والواجبات والتبعات، وأنعم عليها لأداء كل ذلك جسدا من أحسن الأجساد هيئة وتقويما فالحق أن الروح لم تؤت هذا الجسد إلا لإن تستخدمه في ما وهب لها الله من التصرف ولأن تؤدي به ما عليها من الواجبات فالجسد ليس بسجن للروح، بل هو معمل لها. فإن كانت هذه الروح قدر لها شيء من النمو والرقي فإنما يمكن تحققه بإظهار مواهبها واستعدادها الفطري باستخدام آلات هذا المعمل وقواه. ثم ليست هذه الدنيا بدار للألم أو تعذيب للنفس قد ارتطمت في أوحالها الروح بسبب من الأسباب. بل الأمر أنها ميدان للعمل ومضمار للسعي والكفاح والجد قد بعث الله الروح البشرية إليه لتقوم بواجبها فيه. ولهذا قد خولها أن تتصرف في كثير من الأشياء المولودة في هذه الدنيا وكذلك خلق معها جمًا غفيرًا من البشر ليقوموا جميعا بواجبات الخلافة هذه ويضطلعوا بأعبائها وكذلك برزت لها إلى عالم الوجود شعب مختلفة من الحضارة والاجتماع والاقتصاد والسياسة وما إليها. وذلك بما اقتضته الفطرة البشرية من افتقارها إليها. فما دام الرقي الروحي والنمو المعنوي ميسورا في هذه الدنيا، فليست سبيله أن يعرض المرء عن هذا المضمار ويقبع في ناحية من النواحي، بل إنما سبيله أن يظهر كفاءته ومواهبه الفطرية بالعمل فيها والجد والكدح في نطاقها. فكأن هذه الدنيا موضع لامتحان المرء واختياره، وإن كل ركن من أركان الحياة وكل شعبة من شعبها سؤال من أسئلة هذا الامتحان. فالبيت والمحلة والسوق والإدارة والمعمل والحانوت [1] والمدرسة والمحكمة ومحل الشرط [2] والمعسكر ومجلس النواب ومؤتمر الصلح وساحة الحرب وهلم جرا، كل ذلك أسئلة مختلفة لامتحان العبد في فنون شتى وعلوم متنوعة. فماذا يكون من مصيره وعاقبة أمره إذا لم يهتم بشيء من هذه الأسئلة أو ترك معظمها من غير أن يجيب عنها بشيء ما؟ أفلا يكون حظه من الدرجات صفرا؟ إن احتمال النجاح والارتقاء لا يمكن إلا إذا اعتنى المرء بالامتحان واهتم به أيما اهتمام وأكب على الاستعداد للامتحان والجواب عن جميع الأسئلة التي تعرض عليه.

(1) الدكان.

(2) الشرطة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت