الصفحة 31 من 34

وكذلك لا يرضى الإسلام الرهبانية ويرفضها رفضا، فإنه لا يرى السبيل لرقي الإنسان الروحاني في خارج المعيشة المدنية بل إنما يراها في داخلها، وليس موضع رقي الروح وازدهارها ونشوئها وارتقائها وهناءتها وسعادتها وفلاحها في سواحل الهيئة الاجتماعية، بل إنما هو في نظره في لجج الهيئة الاجتماعية [1] وقعرها. فعلينا أن ننظر الآن ونتبصر في ما يعرض علينا الإسلام من مقياس لارتقاء الروح وانحطاطها هذا سؤال قد أضمر جوابه في تصور الخلافة الذي سلف ذكره آنفا فالإنسان من حيث أنه خليفة الله عز وجل في الدنيا، مسؤول أمام ربه عما كسب واكتسب في مضمار حياته، وليس وظيفته في الدنيا إلا أن يستعمل ما منحه الله وفوض إليه من الحقوق والسلطان والوسائل وفق مرضاة الرب تعالى وحسب هدايته ومشيئته، وأن يصرف جميع المواهب والقوى والكفاءات التي أنعم بها عليه حسب استطاعته ومكنته [2] في ابتغاء وجهه تعالى وجلب رضاه، وأن يتوخى في مختلف الصلات والعلاقات التي تربطه بغيره من أفراد البشر حطة واتجاها يرضى به خالقه ومالكه. وجملة القول أن يصرف ويقصر جميع مجهوداته ومساعيه في إصلاح الأرض وإصلاح نظام عيشة أهلها إلى حد يريد الله عز وجل أن يرى أرضه مزينة به متحلية بمبراته وحسناته. فكلما ازداد الإنسان في القيام بهذه الخدمة وشعورا بالتبعة ومعرفة بالواجب وطاعة للرب وانقيادا لأوامره وابتغاء لمرضاته، ازداد تقربا إلى الله ودنوا إلى رحمته الشاملة. فهذا التقرب إلى الله عز وجل هو الرقي الروحاني في نظر الإسلام وبعكس ذلك كلما ازداد الإنسان كسلا وتقاعسا عن العمل والجد وجهلا بالتبعة - أو كلما ازداد تعنتا وبغيا وعتوا، ازداد ابتعادا عن الله عز وجل، فهذا الابتعاد عن الله تبارك وتعالى هو الانحطاط الروحاني، حسب ما يراه الإسلام.

فالذي يتبين من هذا التفصيل أن مضمار العمل والجد للرجل المتدين والرجل الدنيوي من الوجهة الإسلامية لا يختلف أصلا بل هما يشتركان في العمل بميدان واحد وحلبة مشتركة بل إنما يراها في داخلها، وليس موضع رقي الروح وازدهارها واهتمامه لا يبلغهما الرجل الدنيوي أبدا، فإنه يضطلع بكل ما يعرض له من تبعات لمختلف الشؤون في الحياة الدنيا ومراحلها - من عشرته البيتية إلى اللجنة الدولية العالمية - كما يضطلع بها الرجل الدنيوي، سواء بسواء، بل يفوقه ويبزه في ذلك والذي يفرق بينهما هو الاختلاف في علاقتهما بالرب تعالى ونوعيتها. فلا يعمل هذا إلا وهو يشعر أنه مسؤول أمام ربه فلا يبتغي ولا يقصد من عمله إلا وجه ربه تعالى ورضاه فقط، أما ذاك فدائما يرى نفسه، بخلاف ذلك، حرا طليقا غير مسئول عن أعماله أمام أحد، فلا يعمل عملا إلا وفق ما توحي إليه شهواته وميوله النفسية غير مبال بما أُمر به ونُهِيَ عنه فهذا الاختلاف في علاقتهما بخالقهما تعالى هو الذي حول حياة الرجل المتدين المادية بأسرها إلى حياة روحانية طيبة، وإن هذا الذي ذهب بنور حياة الرجل الدنيوي الروحانية وتركه في ظلمات ليس بخارج منها.

والآن أريد أن أعرض عليكم وأبين لكم كيف يرسم الإسلام طريقا لارتقاء الإنسان الروحاني في لجج الحياة الدنيوية المادية ويفتح في وجهه أبوب النمو والكمال.

(1) قلب المجتمع.

(2) إمكانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت