الصفحة 32 من 34

فأول خطوة من خطوات هذا الطريق هي الإيمان. وذلك أن يرسخ في قلب المرء ويتمكن من ذهنه أنه ما من إله ولا مالك ولا حاكم إلا الله عز وجل، وأن لا غاية له في الحياة يقصدها من مجهوداته ومساعيه إلا وجه الله ورضاه، وأن لا قانون له في حياته إلا ما أمره به الله وما نهى عنه. فهذ الفكرة كلما ازدادت رسوخا وتأصلا في ذهن المرء، ازداد اصطباغا بصبغة العقلية الإسلامية وتمكنا من الرقي الروحاني متصاعدا إلى أعلى درجاته.

والمرحلة الثانية من مراحل هذا الطريق هي"الطاعة"ومعناها أن يتخلى المرء ويتجرد عن استقلاله وحريته الشخصية في كل ما يقوم به من الأفعال والأعمال، ويتحرى في جميع أعماله طاعة الله الذي يؤمن به ويعتقد أن لا إله إلا هو وحده فهذه الطاعة هي"الإسلام"في المصطلح القرآني.

والمرحلة الثالثة من مراحل هذا الطريق (التقوى) التي يمكن أن نعبر عنها بالمعرفة بالواجب والشعور بالتبعة فالتقوى معناها أن لا يأتي العبد من عمل في ناحية من نواحي حياته إلا وهو على يقين من نفسه أنه محاسب أمام ربه عن عقائده وأقواله وأفعاله، وأن ينتهي عن كل ما يجد أن الله قد نهى عنه ويشمر عن ساقه للقيام بكل ما أمر الله به، فيقضي أيام حياته مميزا بين الحلال والحرام والصواب والخطأ والخير والشر، وذلك بشعور تام واختيار كامل من نفسه.

ورابعة الأربع وأعلاها من بين مراحل هذا الطريق"الإحسان"ومعناه أن تندمج وتنضم مشيئة العبد إلى مشيئة الرب تعالى، حتى لا يحب إلا ما يحبه الله ولا يبغض إلا ما يبغضه الله، ولا يكتفي بأن يجنب نفسه ويبعدها عن الفواحش والمنكرات التي يريد الله أن يرى أرضه متنزهة عنها، بل لا يألو جهدا ولا يدخر وسعا في استئصال شأفتها واجتثاث شجرتها من وجه الأرض، وأن لا يقتصر على تزيين حياته بالمكارم والمآثر التي يريد الله أن تتحلى بها أرضه. فحسب بل يبذل كل ما يملكه من القوى ولا يضن بنفسه ونفائسه في بث خيراتها وتعميم مبراتها في أرض الله الواسعة. فإذا قدر له أن يتمكن من البلوغ إلى هذه الدرجة الرفيعة، فقد فاز بالتقرب الإلهي. فالإحسان هو أقصى ما يطمح إليه المرء ببصره في ارتقائه الروحاني.

فهذا هو طريق الارتقاء والازدهار الروحاني في الإسلام، وهو لا يقف عند الأفراد والأشخاص بل يعدوهم إلى الجماعات والأمم، فمن الميسور لكل أمة أن تقطع مراحل الإيمان والطاعة والتقوى وتبلغ ذروة الإحسان كشأن الفرد بعينه. وكذلك يسع كل مملكة من الممالك أن تكون بنظامها الشامل مؤمنة مسلمة محلاة بالتقوى بالغة درجة الإحسان، بل الحق أن الإسلام لا يتحقق أمله وغايته المنشودة إلا إذا سارت الأمة بأجمعها على هذا الطريق وتشكلت في أرض الله مملكة محلاة بالتقوى والإحسان.

فيجدر بنا الآن أن نختبر ونتبصر في نظام التربية الروحانية الذي اختاره الإسلام ورسم خطته وأقام دعائمه لتنشئة أفراد المجتمع وتدريبهم على هذا الطراز المخصوص من الارتقاء الروحاني. فهذا النظام له أربعة أركان.

أولها الصلاة: فهي تجدد في ذهن المرء ذكرى الله الواحد الأحد خمس مرات في كل يوم وليلة وترهبه من عذابه وبطشه الشديد وترغبه في رحمته وتقربه إليه وتعرض عليه أحكامه مرة بعد أخرى وتدربه على طاعته والانقياد لأوامره. ثم إن هذه الصلاة لم تفرض على العباد بصفتهم الفردية فحسب، بل أوجب الله عليهم أن يؤدوا صلواتهم جماعة.

وثانيها: الصوم، وهو يدرب المسلمين أفرادا والمجتمع الإسلامي جماعة على تقوى الله وخشيته تعالى شهرا كاملا في كل عام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت