الصفحة 8 من 34

فهذه مسائل أساسية خطيرة يتوقف على جوابها نشأة نظام الحياة الإنسانية. لا ينشأ إذن نظام الأخلاق إلا وفق ما يناسب حقيقة هذا الجواب ويتعذّر عليّ في هذه المحاضرة الضيقة النطاق أن أُفصل القول في نظم الحياة المختلفة في العالم فأخبركم بما اختاره كل واحد منها جوابًا عن هذه المسائل الأساسية، ثم ماذا أحدث هذا الجواب من الأثر والسمة في أشكالها وتعيين الطرق لسيرها. بيد أني [1] أقتصر على الإسلام من بينها واتصدى لما أختاره جوابا عن هذه المسائل وإيضاح ما جاء به من نظام مخصوص للأخلاق على أساس هذا الجواب وطبق مقتضياته.

فهو يقول جوابا عن هذه المسائل: إن لهذا الكون إلها وإنه ما من إله إلا الله. فهو الذي خلق الكون وأوجد كل ما فيه، وهو المتصرف في أمره لا شريك له في ذلك. وله الأمر والنهي وهو رب السموات والأرض ومن فيهن. وهذا النظام الكوني الذي نراه سائرًا بانتظام وثبات لا يسير إلا مذعنا لأمره ومشيئته وهو الحكيم القدير عالم الغيب والشهادة الذي لا يعزب [2] عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض الملك القدوس الذي يجري أمره في هذا الكون بقدر معلوم لا يتطرق إليه وهن ولا خلل. فالإنسان عبد الله بخليقته وجبلته ولا وظيفة له في الدنيا إلا أن يعبده وينقاد لأمره. ولا معنى لحياته إلا أن تكون بأجمعها عبودية لله خالصة. وليس من وظيفة الإنسان أن يعين من تلقاء نفسه منهاجا لعبوديته. بل إنما ذلك على الله الذي خلقه وجعله عبدًا من عباده. فقد أرسل الله تبارك وتعالى إليه الرسل وأنزل معهم الكتاب لهدايته وإرشاده إلى طريق الخير والسعادة. فواجب عليه ألا يقتبس نظام حياته إلا من تلك المشكاة [3] المضيئة النيرة ثم إن الإنسان مسؤول أمام ربه عما كسب واكتسب في حياته الدنيا، ومحاسب بين يديه في الدار الآخرة، لا في هذا الدنيا وما هذه الحياة الدنيا إلا بلاء له من ربه ليختبره. فالإنسان ينبغي له ألا يضع لحياته غاية يطمح إليها ببصره ويسعى وراء تحقيقها إلا أن يكون من الفائزين في الدار الآخرة عند ربه. والإنسان أخل في هذا الامتحان بجميع قواه. فإن فيه ابتلاء لجميع قواه ومواهبه وامتحانًا لحياته من جميع نواحيها. فهو يختبر في جميع ما يحاوله ويزاوله من الأشياء في هذه الدنيا اختبارًا خالصًا لا يشوبه شيء من أدران هذا العالم.

أضف إلى ذلك أن هذا الاختبار يقوم به الذي عنده علم الكتاب والذي لا يقف علمه ومعرفته عندما سجله عن أعمال الإنسان وحركاته على جميع أجزاء هذا الكون من الأرض والهواء والماء وأجواء الفضاء وفي قلب الإنسان وذهنه ويده ورجله، بل يحيط علمه بكل ما يخطر في نفس الإنسان من الهواجس والإدراك ولا يغرب عنه منها شيء.

(1) غير أني ..

(2) لا يبعد ولا يغيب.

(3) المصباح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت