الصفحة 9 من 34

هذا هو جواب الإسلام عن مسائل الحياة الأساسية، وهذا هو تصوره للكون ومنزلة الإنسان فيه. وهو يعين الغاية الحقيقية السامية للكون ومنزلة الإنسان فيه. وهو يعين الغاية الحقيقية السامية التي ينبغي أن تكون الغاية القصوى من مجهودات الإنسان ومساعيه في هذه الدنيا - ألا وهي"ابتغاء وجه الرب تعالى ونيل رضاه"فهذا هو المقياس الذي يقاس به في نظام الإسلام الخلقي كل عمل من أعمال الإنسان ويحكم عليه بالخير أو الشر. ثم إن هذا التعيين يزوّد الأخلاق الإنسانية بمحور تدور حوله حياة البشر بحذافيرها. فلا تبقى بعد كسفينة في البحر تتقاذفها الرياح وتقلبها الأمواج يمينا وشمالًا. وكذلك يضع هذا التعيين بين يدي الإنسان غاية حقيقة يمكنه بعدها أن يعين لجميع الصفات الخلقية في الحياة حدودا ومنازل وصورا علمية ملائمة لكل واحدة منها، كما يظفر من أجلها بالقيم الخلقية المستقلة التي لا تزال قائمة متأصلة في مكانها على تقلبات الأحوال والشؤون وفوق كل ذلك إذا تعين ابتغاء وجه الرب ونيل رضاه غاية منشودة للإنسان ومرمى لمساعيه وجهوده، فقد ظفرت الأخلاق البشرية بغاية سامية تمكنها من الارتقاء الخلقي إلى ما نهاية له من معارج النمو والرقي ولا يشوبها أبدًا أدناس عبودية الأغراض والمآرب النفسية في مرحلة من مراحل سيرها الحثيث.

فكما أن الإسلام ينعم علينا بفضل تصوره للكون والإنسان بهذا المقياس، يزودنا في الوقت نفسه بوسيلة دائمة لمعرفة الحسن أو القبح الخلقي. والإسلام لم يحصر علمنا بالأخلاق على العقل أو المشيئة أو التجارب أو العلوم الإنسانية فقط، حتى تتغير أحكامنا الخلقية بتغير هذه الوسائل الأربع ولا يقر لها قرار أبدًا. بل الإسلام يمنحنا مرجعا ثابت الأركان يزودنا بالتعاليم الخلقية في كل حال وزمان، ألا وذلك المرجع هو كتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وهذه التعاليم ترشدنا إلى الطريق الأقوم وتضيء لنا الخطة المستقيمة في كل شأن من شؤون الحياة من أتفه المسائل البيتية إلى مسائل السياسة الدولية العظيمة ومشاكلها الخطيرة. ونجد فيها انطباقا متسعا لأصول الأخلاق على شؤون الحياة المختلفة بحيث لا نحتاج بعده في مرحلة من مراحل الحياة إلى وسيلة أخرى للعلم.

ثم نجد في تصور الإسلام هذا - للكون والإنسان - تلك القوة الوازعة التي لا بد لقانون الأخلاق أن يكون مستندًا إليها، وهذه القوة قوة خشية الرب تعالى والإشفاق من المسؤولية الأخروية والخوف من سوء العاقبة في المستقبل السرمدي. ولا ريب أن الإسلام يريد أن يوجد ويهيء من الهيئة الاجتماعية والرأي العام ما يحمل الأفراد والطبقات ويجبرهم على القيام بالقواعد الخلقية والدأب عليها، كما يريد أن يقيم نظامًا سياسيًا يتمكن بسلطانه من تنفيذ القانون الخلقي في الناس بالقسر، إلا أن الحقيقة، مع ذلك، أنه لا يعول [1] على هذا الوازع الخارجي مثل ما يعول على الوازع النفسي الذي تنطوي عليه عقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر، ومن ثم يريد الإسلام - قبل أن يأمر الإنسان بالتقيد بالأحكام الخلقية - أن يلقي في روعه ويلقنه:

(1) لا يعتمد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت